ما أحوجنا اليوم إلى فكر عبد الرحيم بوعبيد

30 أكتوبر 2015 - 10:25 م

نجـاة المريني

منذ مدة قصيرة وأنا أحاول التنقيب والبحث عن كتابات بعض علمائنا ومفكرينا وزعمائنا الإصلاحية ، وما خلفوه وخلدوه في كتاباتهم ومؤلفاتهم وخطبهم وحواراتهم من دُرَرٍ توجيهية وكلمات ذهبية لو أخذنا بها واجتهدنا في التمسك بها، لحُـلَّتْ كثير من مشاكلنا ، ولصرفنا النظر عن اجتهادات وآراء متضاربة وخلافات قــد لا تصب في صميم ما يراد علاجه اليوم ، لذلك ارتأيت أن أشرك القارئ العزيز في ما عـنَّ لي وأنا أبحث في الموضوع …..

…. وأنا أبحث عن خطب ثـلـة من الوطنيين الأعلام ، أثارت انتباهي مقاطع نورانية يشع من بين فقراتها صدق صاحبها وصرامته ورصانته . أبدى فيها من الآراء الناجعة والتوجيهات الصائبة ما لو أخذ بها المغاربة اليوم لأصبحوا من الشعوب المتحررة من الفقر والجهل والفساد ، ولارتقوا إلى مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن زخرف القول وما إليه.

لم يكن صاحب تلكم الكلمات الذهبية غير الوطني الصادق عبد الرحيم بوعبيد ، أبدى فيها بحرقة وحب ما يجب أن يتصف به المواطن المغربي ليستحق مغربيته ، أول ما أثاره في كثير من خطبه تكوين المواطن الصالح ، فهو العمود الفقري لكل إصلاح وتقـدم ، فما هي وصفات ذلك كما أشار إليها في خطبه وحواراته وإن باقتضاب ، من نحن اليوم في حاجة إلى فكره المتنـور عبد الرحيم بوعبيد .

لبناء مؤسسات الدولة الوطنية في مغرب مستقل يجب التسلح بالأخلاق المثالية والإيمان بالقيم الإنسانية ، والديموقراطية الحق ، فنحن في حاجة إلى من يتحمل المسؤولية بأمانة وتبصر، وإلى العمل الجاد بتضحية وحب ، إلى الثقة في كل مسؤول طوقناه أمانة التسيير والتدبير ، والدفاع عن المصلحة العامة للمواطن ، كم أشعل عبد الرحيم بوعبيد من فتيل وحرك من راكد في خطبه وهو يشرح الأفكار ويضع اللبنات ويوصي بالعطاء المتميز وبالواقعية والفعالية والصمود أمام كل المطبات في المغرب وخارجه .

ينبه عبد الرحيم بوعبيد إلى ما للمواطن من حقوق عند كل مسؤول ،فقد آمن بالوطن ،فكان لسان حال المواطنين في الدفاع عن كرامتهم والحفاظ على حقوقهم ،داعيا إلى الترفع عن خدمة المصلحة العامة واستغلال النفوذ ،كان حكيما وهو يدافع عن مبادئ الديموقراطية الحق لبناء مجتمع حداثي بعيدا عن المزايدات والصراعات والخلافات ، بُــحَّ صوته وهو يتنقل بين مدن المغـرب وقراه لإرساء برنامج طموح يهدف إلى التغيير وإلى الإصلاح ، بعيدا عن التحزب الضيق والمزايدات والمشاحنات ، كان بحق رجل دولة بامتياز : في قيادته ومساره السياسي العـبـق برياح المواطنة ، فهو أحد ابرز رجال الحركة الوطنية وأبرز قادة المغرب السياسيين ، رجل نزيه ، مناضل بكل ما تحمله الكلمة من معان ، غيور على مصالح الوطن سواء أثناء ممارسته السلطة وزيرا أو خارج السلطة زعيما سياسيا لا يشق له غبار ، بجرأته وصرامته ،حزمه ونبله ، صدقه وتواضعه .

كان بوعبيد منارا لإشعاع البلاد قوميا ودوليا ، ومنبعا للرأي السديد والتوجيه الحـر الناضج متحديا أجهزة الفساد بوضع مخطط الإصلاح بفكر نيـِّـر واضح وثقة في النفس كبيرة ، كانت ثقته بنفسه وبمبادئه المحركين الأساسين لمواقـفـه وتوجهاته ، كان بوعبيد سياسيا يقظا في سعيه إلى تقليص الفوارق الطبقية بين أبناء الشعب إذ كان يحسن الإنصات إلى دقات قلبه وإلى مطالبه ، وفي نفس الوقت كان رجل الدولة الذي تضبطه الالتزامات وهو يبحث عن الكفاءات من غير حساسيات حزبية أو غيرها ، أما المعارضة عنده فهي معارضة بناءة ومسؤولة ، لا تـشـمُّ فيها رائحة الصراع أو النزاع ، وصدق عندما قال في إحدى خطبه ” لا يتعلم أي شعب الديموقراطية إلا إذا مارسها ” .

إنـنا في حاجة إلى التمسك بالأخلاق المثالية ، والقيم الإنسانية ، إلى التـشبث بالروح الإسلامية في صفائها وطهـرها ،إلى الإيثـار بدل الأثـرة ، إلى السلوك القـويم في كل تصرفاتـنا وعلاقاتنا ، إلى حب الآخر والتضحية من أجله ، إلى نبذ الخصومات والحساسيات ، والصراعات والمشاحنات ، إلى التحلي بالفضيلة في أسمى معانيها ، إلى حب الوطن والدفاع عنه ، ومهما اختـلـفـنا فيجب أن يجمعنا حب الوطن، وبذلك نستطيع بناء وطننا على أسس الديموقراطية التي نسعى إلى تحـقيقها ،.

فما أحوجنا اليوم إلى فكر عبد الرحيم بوعبيد !!!