إن الأحزاب السياسية التي فشلت في تدبير القضايا الأساسية لانتظارات المواطنين وخصوصا الذين منحوها ثقتهم، وصوتوا لصالحها ومكنوها من الحصول على مرتبة متقدمة من خلال صناديق الاقتراع، وان هؤلاء الناخبون لم يصوتوا إلا إن اقتنعوا ببرنامج الحزب ووعوده، غير أن الحزب لم يف بالتزاماته اتجاه الناخبون الذين صوتوا عليه اعتقادا منهم بأن هذا الحزب سيعمل على تحقيق المشاريع التنموية والمؤسسية وهو بهذه الوعود يكون مارس على الناخب تحايلا وغاب عن الأنظار، دون أن ينفذ وعوده وبرنامجه على ارض الواقع، محليا ووطنيا، وهو ما قد يعتبر حجة تستند عليها النيابة العامة لحل الحزب السياسي، فضلا عن الدعم المالي الذي منحته إياه الدولة من أجل تاطير المواطنين، واعتقد أن الوعود المعلنة لكسب ثقة الناخب تعد رشوة، مثلا الوعد بتشغيل الناخب أو احد أقرباءه، إصلاح الطرق والأزقة وهي حق مكتسب للساكنة، أما و إن وعد بها المترشح أو الحزب من خلال الوسائل السمعية البصرية أو الملصقات أو بأي وسيلة أخرى من الوسائل الغير القانونية، وحتى و إن كانت قانونية ولم يقم الحزب بتحقيقها، فهي أمانة نال عليها شهادة الناخب عبر صناديق الاقتراع، وإذا لم يلتزم بحفظها تعتبر “خيانة”، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإن الأحزاب السياسية مقابل القيام بدورها النبيل تحصل على الدعم المادي من الدولة، وذلك من أجل تأطير المواطنين وابتكار  المشاريع وبلورتها على أرض الواقع، والمقصود هنا الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والمشكلة للأغلبية الحكومية.

أعتقد أن الأحزاب السياسية التي حصلت على الدعم المالي من الدولة وأخلت بالتزاماتها وواجباتها ولم تبرر فشلها واجب حلها، لأنها تكون قد خانت الأمانة أوغيبت البعد الوطني والاستراتيجي، وتماطلت في تفعيل المشاريع وأحدثت العراقيل من أجل تعطيل إنجاز هذه المشاريع لأسباب سياسوية بدل المبادرة والعمل الملموس، وهي بهذا تكون تراجعت عن هدفها النبيل ووعودها أثناء الحملات الانتخابية.

أما و إذا كان الحزب احتل المرتبة الأولى للقوائم الانتخابية على الصعيد الوطني وتكلف بتشكيل الأغلبية الحكومية، فوحده يتحمل فشل الأحزاب الأخرى، حيث أن الدستور يخول لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة وهو رئيس الإدارة العمومية، فالعقد والحل بيده، إلا إذا كان ناقص التجربة في تدبير الشأن العام الوطني، وتحجج بما لا يقبله العقل ولا المنطق ولم يستقيل نظرا للعراقيل التي يصطدم بها من جهة أخرى، وعليه أن يذكر الجهة التي تقف حاجزا أمامه للحيلولة دون تنفيذ المشاريع والإصلاحات الإدارية والسياسية والاجتماعية، التي هي من اختصاصه وخولها له الدستور، ومن أجلها نال ثقة الناخب، وكانت السبب في تحمله وظيفة رئيس الحكومة.

فكيف ما كان الحال، سواء اصطدم بالحواجز الفولاذية أو الحجرية أو الترابية، كان من الواجب عليه أن يشرح للمواطنين ذلك، وبالتالي تقديم استقالته التي لا يمكن أن يمنعه منها أحد، ولكن إن هو أخفى على المواطنين ذلك وهو الذي وعدهم إذا اصطدم بعراقيل فإنه سيقدم استقالته ولم يفعل ، فمسؤولية الفشل تقع على عاتقه وحزبه، ويحاسب عليها أمام الله والوطن والملك، حيث انه يعلم جيدا أننا في دولة الحق والقانون، والمفهوم الجيد للسلطة و أن الدستور واضح في هذا الصدد.

لذا أقول علينا أن نعترف بالفشل، ونحل أحزابنا بنفسنا، وهو ما قد يؤدي بالأحزاب التي لها ثقة في نفسها ولم يحالفها الحظ أن تراجع مسارها السياسي، وتضع خارطة طريق جديدة من خلال استراتيجية شاملة ومحسوبة بطرق علمية، وبالتالي تطهير البيت الداخلي للحزب بإعادة النظر في مكونات الحزب و مسيريه، وأدبياته بإقرار ميثاق حزبي وطني من أجل العمل بالتضامن للقضاء على الفساد والمفسدين، لأن القطاعين العام والخاص يحتاجان إلى إصلاح عميق، يستمد قواعده من الأخلاق والتربية، ليعم مبدأ التكافل والتسامح والتعامل بالحسنى من خلال الضوابط ، وما ينسحب عن الأحزاب السياسية ينسحب عن المجالس العليا، وأساسا لها ارتباط بالمحافظة على المال العام ومراقبة الآمرين بالصرف، ومن بين هذه المجالس بالدرجة الاولى، المجلس الاعلى للحسابات، ومجلس الحكامة الجيدة، يمكن إعادة النظر في قوانينهما ووظائفهما، من خلال إصلاح شامل يهم قوانينها ومهامها، بالإضافة إلى الجهاز الإداري والتنفيذي، وهو ما يدعو إلى إحداث هيئة عليا تعنى بحماية المال العام، ومصالح المواطنين وحقوقهم عامة، على ان تكون قراراتها ملزمة، وغير قابلة للطعن، مع التقليص من عدد الوزارات والوزراء، وهم يستعينون ببعض كتاب الدولة وهو النموذج الذي يمكن معه المراقبة المستمرة والمتابعة التنفيذية للمشاريع التنموية التي تتقدم بها الدولة أو الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، فضلا عن حماية حقوق المواطنين لدى الإدارات العمومية والخصوصية، ولهذه الهيئة حصانة للولوج إلى الإدارات العمومية والخصوصية والأمنية، دون إذن مسبق إلا في بعض الحالات تكون الزيارة عن طريق الموعد، ومهامها الوقوف عن الاختلالات الإدارية والحقوقية التي لها ارتباط بمصالح الدولة والمواطن والكشف عن الحقيقة ورفع الظلم واللبس بالبحث والتدقيق باستثناء القضايا التي هي بيد القضاء، وهذه الهيئة العليا تكون مراقبة من طرف جلالة الملك وفق قواعد قانونية وضوابط تحكمها.

 

                                                               عبد العزيز الادريسي