قبل إسدال الستار على الموسم الدراسي، وقف المغاربة عامة والمهتمون بالشأن التعليمي خاصة، يتفرجون على محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وهو يخوض سباقا محموما مع الزمن في محاولة إسقاط المدرسة العمومية بالضربة القاضية. حيث أنه منذ توليه المسؤولية، وهو يسدد لها الضربات الموجعة عبر قراراته المفاجئة والعشوائية، التي أثارت أمواجا من السخط والاحتجاجات وأسالت الكثير من مداد التنديد والاستنكار.

     وقبل حتى أن تهدأ فورة الجدل الواسع حول العناية بالهندام بالنسبة لأطر الإدارة التربوية ومختلف الفاعلين الإداريين بالمؤسسات التعليمية، والتزام الأطر التربوية بارتداء الوزرة خلال الحصص الدراسية، واللباس المدرسي الموحد لتلامذة التعليم الإلزامي. ولا أن تخمد نيران الغضب التي أججها تغيير منهجية الحركة الانتقالية، انفجرت قنبلة جديدة من العيار الثقيل، لتكشف عن اعتزام وزارته العمل بالتوقيت المستمر في الموسم الدراسي القادم: 2017/2018.

     وحسب تصريحات سيادته لبعض وسائل الإعلام، فإن قراره الاستفزازي لن يمس عدا مجموعة من المؤسسات التعليمية بالثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، التي تعاني من نقص المساحة أو الحجرات الدراسية، معتبرا أن اللجوء إلى هذا “الخيار” أملته ظروف صعبة، وسيمكن من استغلال القاعات في الفترة الممتدة ما بين 12 ظهرا و14 بعد الزوال، وبفضله ستشتغل المؤسسات المعنية من الثامنة صباحا إلى السادسة مساء دون توقف. وسيساهم في رفع طاقتها الاستيعابية ب25 في المائة، للحد من إشكالية الاكتظاظ، إذ لن يتجاوز عدد التلاميذ بالقسم أربعين تلميذا، مدعيا أن العمل بالتوقيت الجديد لا يستهدف التلاميذ والأساتذة، وإنما يتوخى سد النقص الحاصل في بنيات الاستقبال.

     وبصرف النظر عما خلفه القرار من صدى سيء وتذمر عميق في أوساط الأسر والمدرسين والإداريين، وإعلان بعض النقابات التعليمية رفضها المبدئي لهذه التخريجة المثيرة للغرابة والاستياء، التي تكشف عن بصمات تلك العقلية البائدة، المتحكمة في وضع “الخطط” الفاشلة من وراء ستار. إذ مازال عدد كبير من التلاميذ في مستويات معينة بالثانوي التأهيلي يحرمون من التفويج في مادتي العلوم والفيزياء وإلغاء وتقليص حصص مواد أخرى كالفلسفة والفرنسية، لا لشيء سوى أن مدارسهم تشكو الخصاص في أطر التدريس. ولا تنم سوى عن قصر النظر وانعدام روح الخلق والابتكار لدى المسؤولين. ألم يكن حريا بهؤلاء “العباقرة”، إن كانوا يسعون فعلا إلى إصلاح المنظومة التعليمية والارتقاء بمستوى تلاميذنا، الابتعاد عن منطق “اقض باللي كاين” والحلول الترقيعية، والبحث عن سبل أخرى أكثر موضوعية لمعالجة ظاهرة الاكتظاظ في الأقسام الدراسية، عوض الاتجاه نحو تشغيل أعداد من الأساتذة في إطار التوظيف بالعقدة دون تكوين أكاديمي مسبق، واعتماد التوقيت المستفز؟

     فالتوقيت المستمر كان مطلبا ملحا منذ نهاية التسعينات، بدعوى تعدد مزاياه وترشيد استهلاك الطاقة، حيث اضطرت حكومة عبد الرحمان اليوسفي إلى تكليف مكتب دراسات، للقيام بدراسة الجدوى والآثار الممكنة عند تطبيقه. واستمر الانتظار إلى عهد حكومة ادريس جطو، ليتم اعتماده في الإدارات العمومية ابتداء من يوم 9 يونيو 2005، وتحديد أوقات العمل من الساعة 8,30 صباحا إلى 16,30 بعد الزوال، تتخللها مدة نصف ساعة لتناول وجبة الغذاء.

     بيد أنه بعد مرور ست سنوات، تبين حسب تقرير لوزارة تحديث القطاعات العامة، أنه فضلا عن عدم التزام أغلب الموظفين بالمدة المحددة للغذاء واحترام أوقات العمل،  يوجد هناك خلل في النص الذي يحكم عمل الإدارات، لإغفاله الحديث عن ضمان الديمومة. ورغم اقتراح الوزارة تمديد فترة الغذاء إلى ساعة كاملة وضبط توقيتها، ظل التسيب على حاله…

     وحتى لو سلمنا بأن نية الرجل سليمة، عكس ما يزعمه آخرون من كونه جاء لتدمير ما تبقى من المدرسة العمومية وخدمة مصالح “لوبي” قطاع التعليم الخاص، مع أنه لا يجوز في عصرنا الراهن الرهان على حسن النوايا بدل الدراسات العلمية الدقيقة، في تدبير شؤون القطاعات وخاصة وزارة تعنى بتربية الأجيال وبناء العقول. وأنه من منطلق رغبته في الإصلاح أراد التصدي للاكتظاظ والارتقاء بجودة التعليم، باستغلال فراغ القاعات ما بين الساعتين 12 و14، ألم ينتبه إلى ما قد يحدثه التوقيت الجديد من تأثير على قدرات التلاميذ في الاستيعاب والأساتذة في الأداء، خلال وقت خصص للراحة والإطعام؟ ألا يعلم أن عدة مؤسسات بالثانوي التأهيلي كانت تستغل الأجنحة “الفائضة” بمؤسسات الثانوي الإعدادي المجاورة لها، دون التفكير يوما في التوقيت المستمر. وأن بناء استعمالات الزمن وجداول الحصص بالتأهيلي، هو غيره في الإعدادي الذي يعتمد على شبكات جاهزة حسب البنيات التربوية، إذ يخضع الأول لمنهجية دقيقة وشروط تربوية عميقة ويستغرق مدة أطول؟ فكيف سيكون عليه حال هذه الجداول واستعمالات الزمن بعد إدخال الساعتين من 12 إلى 14؟ ألا يخشى أن يؤدي هذا الإجراء غير المحسوب العواقب إلى ارتفاع نسبة الغياب لدى التلاميذ والأساتذة والإداريين، والهدر المدرسي وإفراغ المؤسسات المستهدفة من تلامذتها، الذين لن يترددوا في الانتقال إلى مؤسسات أخرى ذات التوقيت العادي أو مؤسسات خاصة؟ وأين نحن من مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب؟

     إن حصاد كسابقيه، أثبت بالملموس عبر سلسلة من القرارات المرتبكة والجائرة، افتقاره إلى بعد النظر والقدرة على الابتكار، وكشف عن اعتقاده الخاطئ بأن الإصلاح مجرد عملية بسيطة تستدعي فقط “شوية ماكياج”: طلاء المدارس، ترقيع الكراسي والطاولات، توحيد الزي المدرسي والعناية بالهندام… في حين أن أعطاب تعليمنا أعمق وأكثر تعقيدا من أن يعالجها عطار عابر

                                                         اسماعيل الحلوتي