بقلم الأستاذ والصحفي: بوشعيب حمراوي

 

لا هم اختاروا العمل بدستور البلاد، ولا هم أبدعوا من أجل تعديله، ولا هم قرروا العودة إلى كتب التاريخ والسياسة، وانتقاء قانونا ولو متجاوزا لتفادي العيش وفق ما تشتهيه ظرفية الحياة وروادها الشرسين.. ثارة يعملون بالقوانين المنظمة، وثارة يعتمدون قوانين أو رغبات (حمو وعلي) لقضاء مصالحهم الشخصية. لكنهم وهذا هو المؤسف.. هم منا وإلينا ومعنا وداخلنا.. وما يصيبهم لا بد أن يصيبنا. 

عادة ما يصعب علينا الالتزام بتطبيق قوانين البلاد بالشارع العام، و حتى داخل بعض المرافق العمومية والخاصة، أو حتى تقديم النصائح والتحذيرات لمن تجاوزوا بعض فصولها أو بنودها ونسجوا قوانين بديلة. عادة ما نقف عاجزين عن التدخل أو حتى الكلام في مواقف وعن وقوع أحداث مخجلة أو حتى مخيفة ومرعبة، يغلب عليها طابع العشوائية والفوضى والتسيب، إلى درجة أن الممتثلين للقوانين والمنضبطين يصبحون هم المخطئين والمتجاوزين. ويرغمون على الانحراف والانضمام إلى شلة المنحرفين، الذين يفرضون قوانينهم الخاصة. ويعزفون على أوتار (العرف) و(التقليد والتطبع).      

من منا يستطيع أن يلوم أو حتى ينبه أصحاب المقاهي والمتاجر والمحلات الخدماتية والباعة الجائلين،.. بجرمهم في حق المواطنات والمواطنين، عندما يحتلون الملك العمومي والأرصفة وأجزاء من الأزقة والشوارع. من منا بإمكانه إجلاء المحتلين للملك العمومي البحري وأجزاء كبيرة من الشواطئ المفتوحة للعموم.. من منا له القدرة على وقف المضاربين في المواد الاستهلاكية والعقار وغيره.. من متطلبات الحياة البشرية.. ولا القدرة على التصدي لشهود الزور الذين لا يفارقون محيطات المحاكم ومحلات الكتاب العموميين، والمقاهي المجاورة لها. ومن يوقف حشود السماسرة في كل شيء ذا قيمة بما فيهم البشر.. هؤلاء الذين زاد عددهم وتضخم شجعهم، فأغرقوا البلاد في عمليات النصب والاحتيال والتزوير وخلفوا آلاف الضحايا ؟؟..   

من منا يستطيع أن ينبه كل السائقين والراجلين أن هناك علامات المرور، للإرشاد والانتباه والعبور وتحديد السرعة من الواجب الامتثال إليها. من منا يستطيع أن يوقف سائقي سيارات الأجرة الذين عوض اللجوء إلى القضاء أو الأجهزة الأمنية، يفضلون لعب أدوار الأمنيين والدركيين، فيما بات يعرف ب(الكالة)، تجدونهم ينصبون دوريات خاصة بهم، بمداخل بعض المدن والقرى، لمنع زملائهم من العمل..  من منا لم يتعرض للعنف اللفظي وحتى الجسدي، لمجرد أنه عاتب سائق أو راجل على تجاوزه لقانون السير. بل من منا لم يتلقى الشتائم والقذف المجاني لمجرد أنه كان حريصا على التقيد بعلامات المرور… توقف لمهلة أو خفض من سرعته  أو تحاشى عرقلة ما ؟؟..

بات واضحا أن ثقافة العرف والتسيب والعشوائية هي السائدة. وأن آخر ما تفكر فيه بعض الكائنات البشرية هو احترام دستور البلاد.. والاتسام بالوطنية، والالتزام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق. علما أن سقف حقوق المواطن، ينتهي عند انتهاك حقوق الغير.

لم يعد هناك من مطالبين بالالتزام بقوانين البلاد، ولم يعد هناك من يدعو إلى ترسيخ ثقافة احترام الحريات وحماية حقوق المواطنين.. وبات لكل منا زلاته الدائمة أو الظرفية.  انحرافات نسقط فيها عن ضعف أو سهو أو إصرار وترصد.. ننهى عن تجاوز ونأتي مثله أو أفظع منه.. بعضنا درسوا القوانين، ليس من أجل تطبيقها وإرشاد العموم إلى كيفية إنزالها في حياتهم اليومية. ولكن من أجل البحث عن الثغرات القانونية، وإيجاد السبل من أجل استغلالها في عمليات النصب والاحتيال على المغفلين الذين لا يحميهم القانون. هؤلاء وبعد أن كانوا مقتنعين بما يجوده عليهم القضاء والقدر.. تأكد لهم أن جحيم الحياة لا علاقة له بالقضاء والقدر.. وأنه نتاج عملية انصهار وتمازج لثقافة جديدة بين القضاء والقذارة..