إن التصدعات و التوترات القوية التي تضرب منطقة الخليج العربي تثير الكثير من الجدل والتأويل، حيث منها ما هو محلي أو إقليمي، ففي سياق التصدع الإقليمي نجد هناك حرب اليمن التي أقحمت فيها الكثير من الدول العربية والغير العربية سواء فيما يسمى بالتحالف ضد جماعة الحوتي التي هي مدعمة من دولة جارة اسمها إيران، التي هي الأخرى مقحمة في هذه الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كما هي مقحمة في حروب الشرق الأوسط المحلية كليبيا، سوريا، العراق، وقد اتهمت في أكثر من مناسبة بمشاركتها الفعلية وبسلاحها المتطور وأساسا الكيميائي مما لا يدع مجالا للشك في أن دولة إيران يخطط للقضاء عليها وهي قد تكون غير مبالية بالخطر الذي يحدق بها، وهي بتصرفاتها تجلب عليها الويلات، ولو إن كانت كما يشاع أنها متوفرة على سلاح نووي، ولكن عليها أن تراجع تاريخ الحروب التي وقعت في الخليج العربي أو الشرق الأوسط و أساسا العراق، أفغانستان، ليبيا سوريا، والعراق الذي تورط في حربه مع الكويت ولم يخرج منها إلا وهو مدمر ومنهاك اقتصاديا وسياسيا حتى كاد يفقد هويته وانحلت جيوشه وشرد قادته، فمنهم من قتل ومنهم من سجن ومنهم من فر خارج الوطن، ثم ظهر ما يسمى بداعش المفترض أو الدولة الإسلامية الوهمية، حيث من خلالها تشابكت المفاهيم واختلطت الأوراق وانهار النظام ودمرت الدولة العراقية، وبالتالي تفككت الأسر والقبائل والتجمعات السكانية، وانتهكت الحرمات والكرامة الإنسانية، وهاجر المواطنون بيوتهم ومعاملهم وفقدوا أولادهم، واستبيحت نساؤهم وهتكت الأعراض، وفقدوا وظائفهم ومدارسهم وتعطلت الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصبح الأجنبي الغازي الغاشم يتحكم في دواليب الدولة والأمة، وذاق الناس من  الذل والعار ما لا يقبله العقل والمنطق.

والسؤال لماذا هذا كله وقع؟  وقع لغياب بعد النظر وسوء تقدير العواقب، و بوضع الثقة فيمن لا يستحقها، وعلى الرغم من هذه الأحداث المؤلمة التي وقعت ما بين 1980 إلى 2017، والقادة الإيرانيون لم يستوعبوا بعد المخاطر والعواقب المحدقة و إلى جانبهم بعض القادة العرب، التابعون والواثقون فيما يملى عليهم من الدول الصديقة التي ليس هدفها إلا تدمير هذه المناطق البريئة التي كانت في الأمس القريب تتمتع بالأمن والاستقرار والعيش الكريم، وكانت الأخوة والتعايش والتعاون الإنساني والاقتصادي هو الهدف الأول لدول منطقة الخليج العربي، أما اليوم فنجد المملكة العربية السعودية التي كانت المثل الأعلى لدول المنطقة وهي بمثابة الأم والأخ الأكبر، الكل متحابين في الله، منذ أن أصبحت لهم سيادتهم المطلقة واقتصادها الذي ينتعش منه العالم، والذي جعل من دول الخليج العربي دولا لها مكانتها في المحافل الدولية، ولها اعتبارها لدى المجتمع الدولي، إلا أنه وللأسف الشديد، وأنا أقول هذه الكلمة وقلبي يتعصر خوفا على مستقبل هذه الدول مما يحاك لها وما يتربص بها سياسيا واقتصاديا، حيث أن العدو المتربص أصبح يضرب دولة بأخرى وهم أشقاء وأغنياء بخيرات بلدانهم الطبيعية والعدو مصمم على إفقار هذه الدول والاستحواذ على أموالها وخيراتها، وبالتالي التحكم فيها وفي أبنائها البررة وشعوبها المتطلعة إلى المزيد من التقدم و الحضارة التي أصبحت تضاهي الدول الصناعية والديمقراطية،ولكن إذا لم نجلس إلى الأرض ونراجع أنفسنا ونقيم مسارنا المستقبلي الذي لا يمكن أن نحافظ عليه إلا بوحدة الكلمة والتضامن بعيدين عن المزايدات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، والوقوف جميعا سدا مانعا في وجه الطامعين المتربصين، لأن الأمر لا يهم دولة واحدة بعينها و إنما جميع دول منطقة الخليج العربي والفارسي، وإن لم يتداركوا الموقف فسوف لن تكون لهم بقية في المستقبل القريب.

ولتجنب هذه المخاطر في رأيي الخاص المتواضع، على دول المنطقة و أساسا دولة إيران التي هي في طليعة الدول التي يخطط للقضاء عليها، و القضاء عليها ليس وارد من دول الخليج العربي و إنما من بعض الدول التي تكن لها العداء، وهي تنتظر الفرصة للانقضاض عليها إذا ما تهورت و أشعلت نار الحرب في المنطقة حيث تكون حفرت قبرها بيدها و إلى جانبها جرائها الذين سيدفعون إلى الحرب مع إيران، وبالتالي هم الذين سيمولون هذه الحروب بشراء السلاح وسلاح الدمار الشامل الذي لا قدر الله يعيد المنطقة إلى القرون الوسطى، وقد تكون حرب لا شبيه لها ولم يعرفها العالم من قبل، فهي قد تكون قاسية ومؤلمة ومدمرة للبنيات التحتية، وللإنسان المثقف وعلماء التكنولوجية المتطورة، والمدنية التي أصبح ينعم بها المواطن العربي و الفارسي والمقيمين عندهم.

وواهي من هذه الدول الذي يخطر على باله أنه هو الذي سينتصر، بل المنتصر لا قدر الله ووقعت هذه الحروب، هو العدو الحقيقي، فإنها قد تتعدى في دمارها الحرب العالمية الثانية التي أفقدت ألمانيا جل رجالها وعلمائها إلى درجة أن قال بعض الباحثين لولا الحرب العالمية الثانية لسكن كل ألماني في متر مربع، وقد تتحكم في العالم سياسيا وتكنولوجيا واقتصاديا، وهو الأمر الذي أخاف منه أن يلمس دول منطقة الخليج العربي والفارسي، وفي المقدمة إيران لأنها هي محور الشر في المنطقة كما يسمونها، وهي المقصودة من هذه المناورات التي تحاك ضد دول المنطقة، بحيث تصبح حرب بالنيابة بين الأخوة الأعداء والمستفيد منها هو العدو الحقيقي الذي يبحث عن أسباب انشعال الشرارة الأولى لهذه الحرب.

فبوادر هذه الحرب بدأت تلوح في الأفق حيث نرى دول اتحاد مجلس دول الخليج بدأت تتفكك وتلوم بعضها البعض من خلال تداعيات تدخلات الأجنبي، وقد يكون هو العدو نفسه، حيث نجد دولة قطر زاغت عن السكة المستقيمة وانحازت إلى موقف قد يقال عنه خاطئ، وقد يعصف بها لا قدر الله ولم يبق لها وجود في خريطة المنطقة ولو مؤقتا، وهو السيناريو أو الفخ الذي وقع فيه صدام حسين المتهور الذي أقحم شعبه في حرب غير مسبوقة ومحسوبة العواقب، وهو الشعب الجبار، المثقف، العالم، الأبي المقدام الساعي إلى الوحدة العربية والتكافل الاجتماعي والتآزر والتآلف، وهو في جله اليوم مشرد، وهو بلد غني بكل مقومات الحياة الثقافية، العلمية، الاقتصادية، الاجتماعية، بل أكثر من هذا أصبح عالة على المجتمع الدولي.

أقول، هذه العواقب التي تنتظر دول المنطقة إن لم يتراجعوا إلى الوراء و إصلاح ذات البين فيما بينهم وسحب البساط من تحت أقدام الأعداء المتربصين بهم،وهو الأمر الملح الذي يدعو دولة قطر إلى التنازل والتراجع على ما تعتقده هو الأنجع وتعاود الاندماج داخل أسرتها مجلس التعاون الخليجي الذي سيحفظها وشعبها من دغينة الأعداء، فلم لا التنازل والتسامح والتفاهم لفائدة المصلحة العليا للأوطان والشعوب التي لا حول ولا قوة لها؟ والتي لا ترغب إلا في العيش الكريم وتهنأ بالاستقرار و الطمأنينة تحت رعاية قادتها.

و أعتقد أن رياح الفرج و إزاحة هذه الغمامة السوداء قريبة إن شاء الله على يد السبط الكريم الممتلئ بالكرامات أمير المؤمنين من خلال وساطته المباركة التي ستعيد العجلة إلى السكة الصحيحة في منطقة الخليج العربي، وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي، حيث تحركات جلالته المباركة لا يكون من ورائها إلا الخير للأمة والشعوب وهو الرجل الذي فتح عليه الله بالحكمة و سداد الرأي والموعظة الحسنة وهو الساعي إلى وحدة الكلمة.

و أعتقد أنه إذا لم تحل هذه العقدة على يديه الكريمتين، قد لا تحل على يد أخرى إلا بالسيف، وهو الأمر الذي لا يرغب فيه أحد حيث حدة السيف لا تترك من ورائها إلا البؤس، والأسف الذي لا ينفع معه البكاء والندم بعد الواقعة والحدث.

و أرجو الله أن يكون الفرج على يد جلالة الملك محمد السادس الذي له مكانته الاعتبارية لدى أشقائه في المنطقة، و حتى لدى الفرس فهو سبط وسليل الدوحة الشريفة من آل البيت علي وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، بحيث يقال ويتداول ما بين العلماء و الأسفار أنه لولا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما كانت الدنيا، و أن سيدنا آدم رأى فاطمة الزهراء في الجنة وهي في صورة يصعب على أي إنسان وصفها، أي في بداية هذا الكون العظيم الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في ستة أيام ثم استوى على العرش سبحانه وتعالى.

وما أحوجنا إلى أن تجتمع الدول العربية والإسلامية على كلمة واحدة تسعى إلى السلم والتعايش والاستقرار لا ظالم ولا مظلوم، تنشد الحق وتنبذ الظلم والعدوان، لا تفرقة ولا انفصال، الكل يعيش تحت راية الحب والود والسلام،وحرية المعتقد، في إطار الشرع والقانون.

                                                                       عبد العزيز الادريسي