ـ نورالدين الطويليع
بداية ألفت عناية القراء الكرام إلى صيغة “نسوة” التي حضرت في العنوان بصيغة جمع التكسير الدال على القلة، مع أن عدد الشهيدات اللواتي سقطن، وهن يتزاحمن للحصول على كيس دقيق، البالغ خمس عشرة امرأة يقتضي استعمال كلمة نساء عوض نسوة، لكن بما أن هؤلاء النسوة عشن نكرات، ومتن كذلك، فكثرتهن لا تعني شيئا، ويبقين إلى جانب الملايين من نساء المغرب العميق، كالزبد الذي يذهب جفاء، دون أن تكون لهن قدرة أو استطاعة للمكوث في أرض مغرب أحكم عليهن الحصار، ورماهن بعيدا عن الأضواء، وعن شاشات قنواته، حتى لا تشوه صورهن “الشائنة” جمال اللوحة الإشهارية لمغرب آخر له نساؤه اللواتي يجسدن حداثة مغربية على المقاس، وحضورهن بأي شكل من الأشكال ناقض من نواقض هذه الحداثة، ومشوش يقطع شريط البث، ليفضي إلى ضرب مقصدية تقتضي من ضمن ما تقتضيه أن يُؤتى بزبر حديد التجاهل واللامبالاة، ليُجعل بينهن وبين الصورة المبتغى ترويجها سدا منيعا، يَمُجْن داخله، ويشقَيْنَ ويتعبن، دون أن يستطعن له نقبا، مع حرص شديد على تعهد جدار التعتيم، حتى إذا أراد أن يسقط تعهده المتعهدون بالترميم والتقوية، قبل أن يأتي هذه الحادث ويجعله دكا، لتظهر الصورة الحقيقية لمغرب غير مغرب مهرجان موازين، ومهرجان كناوة، والسهرات الراقصة…، صورة نساء يعانين من جفاف اللحم والدم، تنطق ملامحهن بكل معاني الفقد والحرمان والشقاء، غايتهن، أو أقصى أمانيهن أن يحصلن على حفنة دقيق  تقيم أصلابهن وأصلاب أبنائهن وأزواجهن حتى…، وتمكنهن من صنع خبز حاف، يبقى بالنسبة إليهن وجبة دسمة، مهما علت كثافة سوداويته، ومهما اختلط بأنواع الديدان، هذا دون أن نتحدث عن واقع آخر أمر وأدهى، حين يحملن حبل المسد ليجلبن حطبا يشعل فيهن نار العذاب والشقاء وهن ينتقلن بكومته الثقيلة وينؤن بها من الأقاصي والفجاج العميقة، قبل أن يشتعل فيما يخبزنه من دقيق.
من سخرية الأقدار أن تذكرنا هذه الحادثة بما سماه المرحوم إدريس البصري، وهو يتحدث عن شهداء انتفاضة البيضاء في بداية الثمانينيات من القرن الماضي ضد ارتفاع سعر الخبز، أن تذكرنا بما أطلق عليها ساخرا متهكما “شهداء الكوميرة”، لتتحول السخرية ههنا إلى واقع، وتجسد حربا قُدِّر لهؤلاء النسوة، وغيرهن كثير، أن يعشن واقعها بمرارة كبيرة لوحدهن، وأن يواجهن بأجسادهن الواهنة عدوا غاشما اسمه الفقر والتفقير وظلم ذوي القربى الوطنية، الجالسين على المقاعد الأثيرة الوتيرة، غير عابئين بهن، وهم يقلبون بطونهم بين الموائد التي يجعلون للكاميرات نصيبا مفروضا من متابعة بعضها، حرصا على إشراك الآخر وإحاطته علما بترفنا الزائد وتخمتنا التي تبعث على الحسد، وتفاخرا على شعوب ربما عض أفرادها النواجذ حسرة وألما ولوما للقدر الذي لم يجعلهم من أهل هذا البلد الأمين الذي يطعم أهله من جوع ويؤمنهم من خوف، ولا يجعل لأحدهم خصاصة إلى نعيم الدنيا.
رحم الله شهيدات الدقيق، ورحم صنواتهن في الفقر المدقع اللواتي سقطن وهن يكابدن من أجل جلب جرعة ماء، ويقطعن الفجاج للحصول على أعواد حطب، وواقع حالهن يغني عن سؤال الاستفادة من المواقد والقنينات الغازية، ويقضين سواد نهارهن وطرفا من الليل وهن يقلبن أوجه البحث عما يؤمن قوت يوم واحد حاَفٍ، دون أن يكون لهن الحق في أن يعشن حياتهن، كما تفعل غيرهن، ممن قد يكن زرنهن في حملة انتخابية ما في صورة باذخة تنطق بالنعيم المقيم، وأقمن لهن صروحا من الوعود، كملائكة جاءت لتخرجهن من جحيم الردم، ثم غادرنهم، إلى غير رجعة، تاركات إياهن يواجهن مصيرهن لوحدهن، ويستحضرن من حين لآخر صورة امرأة لا تشبه نساء هذا الردم العميق، ولا يسمحن لخيالهن بارتكاب جريمة التفكير في محاكاتهن، لأن أحلام الصغار، كما تقول الحكمة المدرسية، يجب أن تبقى صغيرة، وحسبهن من الحياة أن يفكرن في ثنائية الحطب والدقيق.
 
في رواية  “رجال في الشمس” للمرحوم “غسان كنفاني” عاتب أبو الخيزران من قضوا نحبهم اختناقا في صهريجه بسؤال إنكاري عريض: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”، وفي رواية المغرب العميق الحالكة لن نطرح ذات السؤال، لأنه سيكون سؤالا منكرا بلا معنى، وإنما سنقول لمن صنعوا الفقر والهشاشة وجعلوا المغرب مغربين: نافعا وغير نافع، كفى من سياسة الهروب إلى الأمام، كفى من سياسة الواجهة، آن الأوان لمصالحة مع الذات المواطنة ورد الاعتبار إليها للكفارة عن ذنب سياسة أنتجت واقعا اجتماعيا بئيسا، انزلوا من بروجكم العاجية، وكسروا جدار الحصار، قبل أن يأخذ المبادرة، ويقرر الانهيار، وحينئذ ستقولون نادمين: لماذا لم نهدم الجدار؟.