بين التعصب والتعصيب

5 أبريل 2018 - 1:01 م سياسة , كُتّاب وآراء

بقلم: معاش اسلاسلي

من الصعب على المرء عدم الإدلاء برأي في مسألة المطالبة بمراجعة أحكام الإرث، ولو شك صاحبه في صحته، أو عرضه موقفه لاي رد فعل سلبي من الذين يدعون أنهم مثقفون ويقفون وراء هذا المشروع الفاشل، البعض منهم يعتبرون الشعب قاصرا يجب الحجر عليه، والتفكير بدلا عنه، يتناسون أن أحكام الميراث تهم كل مسلم، ذكرا كان أو أنثى، عاقلا أو مجنونا، مكلفا أو غير مكلف، عالما أو من عامة الناس، راشدا أو فاقدا للأهلية، حقيرا في قاموس علية القوم، أو إنسانا في مفهوم ذوي الألباب.

لا أقصد من وراء هذا المقال مناقشة الموضوع من الناحية الفقهية، فقد تدخل الإجتهاد في بعض مسائله، ومنع في أكثرها، كما لايهم في هذا المقام تفصيل الأحكام المتعلقة بأصحاب الفروض، او تلك التي تتعلق بأصحاب التعصيب، ولا الحجب بنوعيه وتعقيداته، فهناك ثرات ضخم تركه الصحابة رضي الله عنهم، ونقله العلماء رحمهم الله، منهم من أوجز، ومنهم من فصل وأسهب ، ومنهم من أرجز لتحبيبه للأديب، وترسيخه عند السائل والمجيب، واستقر وضع الأحكام على ما هو عليه، ولم يعد للعالم فيه إلا التقيد به، والرضوخ لنصوصه، والسير على نهج الفقهاء والقضاة والمفتين والأعلام الذين اكتفوا بفهم أحكامه وتطبيقها مراعاة لتحقيق العدالة واستقرار المعاملات.

مضت القرون دون أن يتجرأ أحد على النصوص وقداستها، فيبتدع فيها البدع، وأي بدعة أخطر على المسلم بالمس بأقدس كتاب، وأصح تنزيل، حتى أتى زماننا هذا، لتتعالى الأصوات الناشزة، وتتحرك الاقلام المأجورة، وتتناثر المقالات المسمومة، وتعقد الندوات المشبوهة، وتتساقط التصريحات المبتذلة، وتتهافت لإذعتها بعض المنابر الإعلامية المسموعة والمقروءة والمكتوبة، لتطالب باستبدال المحكم من القرآن بالإجتهاد المشبوه، والمتاشبه بالكلام الناقص المعتوه، والسنة الشريفة بالسفاسف من الأفكار الهدامة، والتعابير الجافة.

أمام هذا المصاب الجلل، كيف للمسلم أن يركن الى الصمت بدعوى أن المطالب من ورائها مائة من المفكرين، وثلة من المثقفين المتنورين، وجماعة من المنظرين. قد يقول قائل وما شأنك أنت بالموضوع، فبضاعتك لا تسمح بمقارعة هؤلاء، فهم في أعلى هرم الفكر، وانت في قاعدته، وصوتك لا يسمعه إلا نفر من الناس، وحتى إذا سمع لا يلتفت إليه، ولا قيمة له في سوق الفكر. كل هذا صحيح، لكن لا أحد يمنع أيا كان من الرد عليهم ولو فشل في المحاولة ألف مرة فلا يكثرت، لانه يمثل صوتا من أكثر من مليار ونصف من المسلمين على هذه البسيطة، وإن كان مغربيا فهو مواطن من ثلاثة وثلاثين مليون من المغاربة، وله من الحقوق والواجبات ما لكل واحد منهم كمسلمين وكمغاربة، لا أريد من خلال هذا المقال إعطاء دروس هم أصحابها، ولكن أريد فقط أن أتساءل عن أحقيتهم في مناقشة موضوع الإرث وتغيير أحكامه، ادعائي أن لا حق لهم لا في طرح الموضوع لمناقشته، ولا حق لهم لتقديم عريضة للمطالبة بما صمموا عليه يرتكز على عدة نقط أفصل بعضها على سبيل المثال لا الحصر فأقول :

1- أن قضية الإرث منصوص عليها في القرآن ومحسومة، ويحرم المساس بها ليس شرعيا فقط، ولكن عقلا أيضا، لأن المسألة تهم البشرية كلها، مسلمين وغيرهم، أقول حتى الكفار منهم تهمهم لاحتمال إسلامهم أو إسلام ذرياتهم من بعدهم. فكيف إذن لمائة شخص تقرير حق البشرية في مسألة الميراث ؟ فالقرآن لا يخاطب إقليما دون إقليم، أو شعبا دون شعبا، فسمته العالمية تمنع المس به من أي كان، فردا أو جماعة، سواء بالتحريف، أو التغيير، أو التعطيل، فهو للناس عامة يريد البعض “خصخصته” كلا او جزءا. فمن لم ترحه النصوص الشرعية لتنظيم هذه المسألة أو تلك، فليختر ما يشاء من النظم والقوانين بعيدا عن أرض المسلمين.

2 – ولنرجع إلى المغرب بحدوده الجغرافية المعروفة، المتنازع على بعضها، ومنظومته القانونية، ومؤسساته الدستورية، هل لهؤلاء المائة الحق في طرح الموضوع للمناقشة، وهب ان لهم الحق في الجدل، وما أكثر المجادلون في عصرنا الحاضر، فهل لهم الصفة التي يمنحها القانون للانابة عن الشعب، إذا كان كذلك فلم وجود برلمان له صلاحيات التشريع، والاقتراح والمراجعة ؟ لم انتخابه إذن إذا أصبح البعض يترامى على صلاحياته ؟ هل الشعب المغربي فوض هؤلاء للنيابة عنه، أو أعطاهم توكيلا ليصاب المجتمع المغربي بلعنة التوكيل الذي جف النيل بسببه ؟

3 – إذا نظرنا إلى الإشكالية من ناحية القانون لمعرفة مدى مشروعية مطالبهم من عدمها، نجد أن الدستور المغربي، ينص الفصل 3 على ما يلي : ” الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية “. هذا الفصل لا يحتاج الى تأويل، ما دام أن الإسلام دين الدولة، وأن الشعب ركن من اركانها، فلا يجوز لأي كان أن يمس بالدين لانه وحدة ونظام متكامل، لا يمكن فصل بعضه عن بعض، وإلا أختلت الموازين كما هي مختلة الآن، فإن سمح لمجموعة العبث بأحكام الميراث، سيأتي غيرهم لهدم الصوامع لأنها مصدر للإزعاج، وتأتي فرقة ضالة أخرى تغير شهر الصيام ليوافق فصل الشتاء او الخريف، ويفتي غيرهم بإلغاء الحج لهذا السبب او ذاك، ويعود بنا هؤلاء لعبادة البشر، فهم أوثان العصر، والاوثان في عصرنا هذا تأكل وتمشي في الأسواق.

4 – قد يقال أن الهدف من هذه الضجة هو العدالة بين الجنسين، وهذا كلام خطير جدا، فكيف لبشر أن يدعي عدم وجود عدالة في القسمة تهم أحكام المواريث وقد تكفل الله بتوزيعها ولم يترك ذلك للبشر ضمانا لتحقيق العدالة التي تفتقد بالأهواء والظلم والتحيز والمحاباة التى هي من طبائع البشر. فحقوق المرأة إذن لم تتضرر حتى تعطلت النصوص الشرعية المتعلقة بضمان حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد وفاة من تجب عليهم رعايتها ( والديها أو زوجها او إخوتنا أو أعمامها )، تضررت حينما حلت محلها نصوص وضعية زادت من محنتها بتخلي الدولة عنها وتحويلها لبضاعة ينهشها من لا حس له ولا شعور بإنسانيتها. إذا كان الغرض فعلا هو تحسين وضع المرأة فتعديل نصوص الميراث لن يحسن وضعها، لسببين على الاقل :

1 – حصة المرأة من الارث ليس هو السبب في معاناتها، لأن أغلب الأسر فقيرة ليس لها ما يورث، الدليل على ذلك تقارير المندوبية السامية للتخطيط، فهي وثائق رسمية شاهدة على الوضع الاجتماعي لأغلبية الأسر المغربية، وشاهدة على الوضعية المزرية للمرأة، يكفي التذكير أن 67 في المائة من النساء ربات البيوت أميات، وأسرة من كل ست أسر تقوم على رعايتها امرأة. نعم هناك فئة بورجوازية تمتلك المال والسلطة، لكن كم تبلغ نسبتها ؟ إذا كان المقصود الدفاع على هؤلاء فهم ليسوا في حاجة لذلك، بعضهم يكتسبون جنسيات أوربية وأمريكية، الأبواب مفتوحة لهم للتصرف في التركة بأي قانون أرادوا.

إذن يبقى السبب الرئيسي في تدهور وضع المرأة في المغرب هو السياسات المتبعة في تدبير المنظومة الاقتصادية والإجتماعية والثقافية. الذين يريدون حقا الدفاع عن حقوق المرأة وتحسين وضعيتها، عليهم أن يطالبوا بتفعيل قاعدة “للذكر مثل حق الانثيين” لتطبيقها على قاعدة للذكر مثل واجبات الانثيين” فتصبح المرأة العاملة تتقاضى أجرتها على نصف ساعات عمل الرجل، وتتقاضى المرأة غير العاملة نصف راتب زوجها لأن كلتيهما تعمل في البيت خادمة بلا أجر طول عمرها، وعلى المجتمع تحمل تكاليف هذا التحسين لأن له فوائد جمة على المرأة، وعلى أسرتها، وحتى على الدولة نفسها في قضايا عديدة لم تجد لها حلولا لمواجهتها.

2 – تحسين وضعية المرأة ليس إجراء بسيطا يكفيه عمل لجنة، أو اتخاذ قرار في مكتب مغلق، أو مراجعة قانون في مكتب دراسة، او غير ذلك من الإجراءات التي يستنزف المال ولا تثمر مردودا ولا تلمس لها نتيجة، إنها رؤيا عميقة تهم نصف المجتمع، إذا خف عليه الحمل نهض، وإذا ثقل برك كما تبرك الدواب من ثقل أحمالها، المنتظر من سياسة الدولة تحسين ظروف الجنس الآخر في جميع مراحل عمره، بالتربية أولا، بالتعليم، بالرعاية الصحية والنفسية، في جميع مراحل العمر، من الصبا مرورا بالشباب، والكهولة ثم الشيخوخة، أيعقل ترك المرأة وشأنها، وهي تتخبط طول حياتها في المشاكل، ويعتقد البعض أن التعدي على نصوص المواريث يؤدي إلى تحسين وضعيتها بعد أن توفي زوجها ؟ أي إصلاح هذا ؟ من يرعى حقوقها وهي صبية لا تجد ما تقتات به ؟ من يضمن كفالتها وهي يتيمة تخدم في البيوت فيعتدى عليها ؟ من يحميها وهي تواجه ظلم صاحب العمل؟ من ينصفها وهي تتقاضى أجرا دون مجهودها ؟ أية إدارة تحميها من تحرش المسؤول وجبروته ؟ أي قانون يحول دون تعنيفها من طرف الزوج داخل البيت او غيره اذا تعرضت للأذي ؟

لا أظن أن الغرض المقصود من هذه الضجة هو مصلحة المرأة، جيء بها فقط كواجهة تغطي ما خفي عن الكثير ويعلمه الله، لو طرحت مسألة تعطيل أحكام المواريث في استفتاء على النساء لصوتن ضد المشروع بتلقائية لانهن يعلمن أن المقصود بهذا الهرج هي العقيدة، وهن لسن على استعداد لبيع الآخرة بالدنيا كما يتصور بعض المثقفين. ولله في خلقه شؤون.