أعراض فشل بعض الحكومات المنتخبة…… !

3 نوفمبر 2018 - 9:44 م سياسة , كُتّاب وآراء

أعراض فشل بعض الحكومات التي أفرزتها صناديق الاقتراع والتي مكنتها من صدارة القوائم الانتخابية، وبالتالي تتزعم الأغلبية الحكومية والبرلمانية، غير أن هذه الحكومة أو أعضائها التي حل حزبها في المرتبة الأولى في القوائم الانتخابية، لأنه أعطى للناخبين وعودا بمقومات المدينة الفاضلة وهو يعلم علم اليقين أن هذه الوعود غير قابلة للتطبيق إما بسبب ضعف الموارد أو بضعف الإلمام بسياسة تدبير شؤون الدولة المجالية، وأساسا الإدارية والاقتصادية، ويلاحظ هذا الفشل في بداية أمرها عندما تحصل على الحقائب التي ليس لها مع هذه الحقائب إلا الخير والإحسان، بحيث كلما باشرت العمل في ملف شائك وحيوي، تسرع في التذرع بالإرث الثقيل أو الهروب إلى الأمام، وتضع رأسها في الرمال، وكأنها لا ترى، وتطبق حكاية كم حاجة قضيناها بتركها، إلى أن تتفاقم الأوضاع الاجتماعية وتجدها تترنح بين ذات اليمين وذات الشمال، ولا تدري أي اتجاه تسلكه، وبالتالي تلعب عن الوقت لعلها تجد بعض الحلول الترقيعية و توظف فيها الإعلام والديماغوجية التي ليس لها أي اعتبار سياسي أو مصداقية في إنجاز برنامجها الانتخابي، وهي إنما أن توجه اللوم إلى بعض الجهات التي لا ناقة ولا جمل لها في الموضوع من أجل الخروج بأقل ضرر، محاولة إقناع الناس ببعض عوامل فشلها، وقد تنال ثقة الناس فيما ادعت في المرة الأولى ولكنها تكون عاجزة في المرة الثانية لأنها لم تصارح الناس ولم تطلعهم على الحقيقة وهي بهذا التصرف تصبح في نظر عامة الناس حكومة فاشلة ودون مصداقية لا يمكن أن تستمر في مغالطة الناس بما لا تملكه، وقد تكون مالكة للموارد والمشاريع التنموية ولكنها لا تملك التجربة لمعالجة الملفات وتنزيل المشاريع على أرض الواقع لأنها أخفقت في التدبير والتسيير حيث تطاولت على أمور ليس من اختصاصها وليس لها فيها تجربة التدبير، ومن هذا التدبير آليات خلق فرص الشغل حيث أن البطالة هي الآفة السوداء في المجتمع المدني لأنها تسمى أم المصائب والجرائم، وتفكك واندثار الأخلاق وانحطاط القيم واعوجاج السلوك اليومي للإنسان، وبالتالي تقع الفوضى وتغيب الثقة بين الناس في المعاملات وتفقد الحكومة مصداقيتها لدى الشعوب وقد تطبق هذه الشعوب شرع اليد إن تخلى العدل عن دوره القضائي النزيه من خلال الرشوة والارتشاء وضياع الحقوق، و يغلب الباطل عن الحق، وهو ما قد يؤدي إلى الاعتصامات والإضرابات والحركات والتنديدات، مما يؤدي إلى كثرة المحاكمات وتملأ السجون بالمعتقلين، هذا إن لم تصاب الممتلكات العمومية والخصوصية، الأمر الذي من شأنه يصعب على الحكومات التي فشلت في معالجة حاجيات المواطنين الملحة في إعادة الأمور إلى نصابها أو سيرتها الأولى، وقد تتداخل الأحوال ويغتنمها العدو الداخلي والخارجي فرصة ليؤجج الأمور إلى ما لا تحمد عقباه لأن الفوضى أصبحت سائدة في كل الميادين الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث نظام التجارة يغيب وكل من له القدرة على صناعة عربة يخرج إلى الشارع ويبيع ويشتري، والمقاهي تتجاوز حدود القانون المنظم للمهنة بإضافة ثلثي الملك العمومي إلى المساحة المتواجدة عليها هذه المقهى أو تلك، وبهذا الإجراء اللانظامي تخسر خزينة الدولة تحصيل الكثير من الأموال وتغلق الدكاكين النظامية بسبب إشاعة السيبا والظلم والاحتكار بعدم الاستجابة للمطالب المشروعة والحقوق المكتسبة، ومن له القوة يسيطر على الضعيف فتكثر الجرائم العادية والمنظمة، وتعم الفوضى في وسائل النقل والاتصال والتواصل، والكل يخيم عليه النفور ويسعى إلى مغادرة التراب الذي توجد عليه تلك الحكومة الفاشلة لأنه غير مؤتمن على حياته وأهله وماله وذويه وهو لا يبالي إلا بنفسه و البحث عن مخرج سليم باللجوء إلى الدولة المجاورة بحثا عن الأمن الروحي والغذائي، وهو ما قد يؤدي إلى التشرد والرذيلة والذل والهوان والعار، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة بكاملها وتفقد زمام الأمور، ومن الأسباب الرئيسية المؤدية إلى هذا الوضع هو اللامبالاة لاستجابة المطالب وتبخيس دوافعها، والتقليل من أهميتها الحالة، حيث أن هناك من يقول لا تخيفونا مجرد تغريدة واحدة وحراك هناك من فئة قليلة من الناس ليس لها اعتبار لدى الحكومة، ومن ضمن هذه الفئة التي لا تعيرها الحكومة أي اهتمام، هم ماسحي الأحذية والحمالة والباعة المتجولون المقهورين في الصيف والشتاء، و المتسولون في الأزقة والشوارع المشوشون عن السياحة وهم في لباس رديء، ومنهم من يقزز له البدن ويذهب الشهية بعدم العناية الصحية والنظافة ووسخة البيئة الذي يعيش فيها، ومن هؤلاء من يمتهن السرقة والاعتداء على المارة ليلا ونهارا وهم من يسمون بالشماكرية والبلطجية الذين لا أخلاق ولا قيم لهم، ولا يقدرون مدى عقوبة الفعل الإجرامي الذي يمتهنونه ، بالإضافة إلى هذا الصنف هناك صنف آخر ليس في استطاعته ممارسة العنف أو السرقة إلا المبيت في المحطات والشوارع والاقتيات من حاويات جمع النفايات، وهم يعيشون في حالة دائمة الاكتئاب والنفور والسخط على الوضع الذي يعيشون عليه، ومن خلال هذه الأوضاع التي لا تهتم بها  الحكومات الفاشلة تنتج الدعارة والفواحش التي ما أمر الله بها من سلطان، ولكن يعاقب عليها المسؤول الحكومي الذي أفرزته صناديق الاقتراع في إطار الديمقراطية التي ناضلت من أجلها الشعوب وهي صاحبة الحق والمشروعية، وهي صاحبة الأمر والنهي وفق قوانين الأمم المتحدة التي تحث الحكومات على تطبيقها في الكون، لا هذا غني ولا هذا فقير، بل إن هذه المنظمة الدولية تمد يد المساعدة في كثير من المواقع والمرافق وإعانات الحكومات على مساعدة عيش كريم ومحترم لشعوبها، غير ان هذه الحكومات الفاشلة والمتخلفة قد لا تصرف هذه المساعدت إلى من يستحقها من خلال الاختلاس والسرقة وخيانة الامانة.

هذه كلها عوامل وأعراض إن وجدت في بلد ما، فإنها تدل على فشل الحكومة التي وصلت إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع ومن خلال الأصوات التي حصل عليها أعضاءها وأعضاء البرلمانات بثقة الناخبين فيهم، ولكن هذه الثقة وهذه الأصوات جانبت الصواب ووقعت خطأ لصالح أناس غير جديرين بها حيث أنهم لم يلتزموا ببرامجهم الانتخابية التي كسبوا بها ثقة الناخبين حيلة وبهتانا باسم الأحزاب السياسية التي تقدموا باسمها.

في بعض البلدان الأحزاب السياسية هي التي يتم عقابها من لدن الناخبين بعدم منحهم الصوت من جديد أو لمرة أخرى، لأنهم فشلوا وضيعوا الشعوب في التنمية التي وعدوا بها، ومن هذه الأحزاب قد يرمى اسمه في سلة المهملات، على أمل أن يظهر حزب جديد فيه رجال لديهم غيرة على البلاد والعباد، ويصلحوا ما أفسده السابقون ويردوا للناس حقوقهم وينقدوهم من براثين الظلم والجوع والفقر والبطالة، والكل ممكن إن وجدت الإرادة والعزيمة والنية الحسنة، فالشعوب متسامحة مع التاريخ ولا تطمع إلا في العيش الكريم والحياة الشبه سعيدة توفر لهم الاكتفاء الذاتي، ولا أخفي عليك أيها القارئ الكريم، كم تألمت وأصبت بخيبة الأمل، وأدرفت عيني الدموع عندما قرأت في الفيسبوك أن حكومة في إحدى بلدان شمال افريقيا ساهمت في تأخر بلدها بحوالي نصف قرن من الزمن على مستوى العيش، وفي التربية والتعليم والتكوين المهني، وفي الاقتصاد الذي يتسم بالضعف والهشاشة، وانتشار الفساد واقتصاد الريع وغياب المحاسبة والتنافسية المشروعة واغتناء فئة صغيرة على حساب فئة عريضة، وهي معطيات حسب تقرير البنك الدولي.

كما حز في نفسي والوضع الاقتصادي العالمي في تدهور شديد، وصدمت لما قرأت في أحد المواقع الالكترونية الدولية أن برلمانا في بعض دول إفريقيا الشمالية يصرف كل اثنين ما يناهز 50 مليون لم أعرف أهي بالدرهم أم بالسنتيم على الأكل والمشرب للبرلمانيين، أَوَ ليس هذا مظهر من مظاهر الفساد؟ أو عرض من أعراض الفشل والدونية، والشعوب في أمس الحاجة إلى الطعام والمأوى، وإصلاح الإدارة وما جاورها من خلال تعليم نافع وقضاء عادل وانتخابات شفافة ونزيهة تنمو بالبلاد والعباد إلى مستوى أفضل.

و لم لا إذا أدركت هذه الحكومات فشلها أن تقدم استقالتها وتنسحب في هدوء وتفتح المجال لمن لهم القدرة على النهوض بالبلد والرفع من مستواها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وبالتالي تكون أبرأت ذمتها باعترافها بواقع الفشل وفي بعض البلدان قد يتم إعفاءها.

حقا بعض الحكومات التي تحترم نفسها تقدم استقالتها جماعية وفردا، عندما تحس بالتدهور الاقتصادي، والأمن السلمي الاجتماعي أصبح مهددا من خلال الاختلالات والفساد بكل صفاته وأنواعه، والتلاعب في الصفقات العمومية والغش في الجودة بالتخلي عن روح المسؤولية والعمل الجاد وكثرة الشكايات والتظلمات دون الرد عليها، وبالتالي يفتح التحقيق في أسباب الفشل، وكل ينال جزاءه بقدر ما ساهم في هذا الفشل.

ما قيل في هذا التحليل المتواضع قد لا يكون واقعيا، وإنما قد يكون تنبيها من أجل أخذ الحذر والحيطة حتى لا يقع أي مجتمع في هذا الوضع المزري وتفاديا لعواقبه الاجتماعية والسياسية، بحيث لا هو في مصلحة الحكومات ولا الشعوب، ومن دون معالجته فهو قد يؤدي إلى الخراب وسوء العاقبة لا قدر الله.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، “يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم” (ص).

          عبد العزيز الادريسي