أخطار الأخبار الصحفية و الفيسبوكية  على الصحة النفسية

8 نوفمبر 2018 - 1:13 ص سياسة , كُتّاب وآراء

كثيراً ما نسمع و نقرأ ونرى كميات هائلة يومية من الأخبار المحزنة والمؤلمة بدون أن ندرك أن لها عواقب وخيمة على توازننا الصحي والنفسي والعائلي والاجتماعي. لأننا لا نشعر عند الاطلاع عليها أن لها تاثيراً سلبياً علينا  فإننا تعودنا ان نتعامل معها على أنها مجرد أخبار و في جل الأحيان تهم الآخرين وننسى أنها سبب رئيسي في اضطرابات جودة النوم مثلا وخصوصا عند الطفل والمراهق بإمكانها أن تؤثر على دراسته وتسبب له اضطرابات في مستوى تركيزه داخل القسم وهذا ما سأحاول تحليله في هذا المقال.

1- تأثير الأخبار الصحيحة المكتوبة والمسموعة

إننا نعيش في زمن مقلق جدا في كل أرجاء العالم، و في محيط من الإرهاب، الحروب، الظلم، المجاعة، انتشار الأمراض المُعدية، كثرة الإصابة بالسرطان، تلوث البيئة، إلى جانب أخطار ما نستهلكه من أغذية و مشروبات مسمَّمة بالمواد الكيماوية، و ما يصيبنا من تأثيرات الأزمات الاقتصادية، و ما نراه و نسمعه من كثرة حوادث الطرق في البر و البحر و الجو، ثروة الأغنياء تتضخم و الفقراء يزدادون فقراً بالملايين، و يزداد معهم أموات  البحر “الحراﯖة”، الهجرة السرية بالآلاف المؤلفة، ، ازدياد نسبة الانتحار وحتى داخل الحرم المكي، تفكك العائلات، النزاعات الدولية السياسية و الاقتصادية ، تصاعد معدلات  البطالة و نسب جرائم القتل والاغتصاب واختطاف المراهقات و الأطفال من مجرمين  منهم رجال دين وحتى بعض آباء الأطفال الضحايا. صرنا نعيش عالماً انعدمت الثقة فيه في كل شيء حتى في الديانات…. لا شيء على ما يرام ولا نطَّلع إلا هذه الأخبار الحزينة والمؤلمة يوميا ومن طرف الصحافة الرسمية والمواقع الاجتماعية.

فما هو تأثير هذه الأخبار على الإنسان والمجتمع؟

بيولوجيا يضطرب نظام الدماغ وترتفع النسبة الدموية للكورتيزول Cortisol و الأدرينالين مما يتسبب في اختلال نظام عمل كل الغدد مع عواقبها الوخيمة على صحة الإنسان وخصوصا عند الطفل والمراهق بحكم أنهما لا زالان في طور النمو والنضج:

* القلق المزمن

* فقدان الإحساس  بالثقة والأمان

* فقدان الثقة في الإنسان وفي الأستاذ وفي رجال الدين وفي المجتمع والحكومات

* خيبة الأمل في تحقيق مستقبل آمنٍ كله سلم وسلام

* فقدان الشعور بالطمأنينة

* الاكتئاب الفردي والجماعي والمجتمعي

* طغيان النزعة الأنانية الحيوانية

* الانغماس في كل أنواع الاستهلاك المادي والجنسي على أمل وهم الوصول إلى أعلى درجات الشعور بالرضى

* اللجوء  لكل أنواع العنف والاستفزاز والاستغلال من أجل تلبية الغرائز الحيوانية

* ركود النوازع والفضائل الإنسانية

* الإحباط التام عند الفرد وداخل العائلة والمجتمع

* كثرة النزاعات الفردية والمشاجرات العائلية والانقسامات المجتمعية و تفكك كل الروابط الإنسانية

2- الاخبار الزائفة على المواقع الاجتماعية

بطبيعة الحال بما أن الإنسان يعيش في قلق مزمن ويرى المستقبل كله سواد وهو فاقد الأمل في كل شيء، فإنه على هذه الحالة يشتغل فكره تلقائيا على الابداع في التدمير وصنع الرعب في قلب المجتمع. وهكذا تُصنع أخبار مخيفة ومرعبة وتنشر و تُروج على المواقع الاجتماعية ويقرؤها القارئ بدون التاكد من صحتها  لأنه يعيش مسبقا قلق مزمن واكتئاب اجتماعي. فماذا ستزيد شجرة من لهيب النار والغابة أصلاً كلها تحترق؟ لا شيء لأن الحزن وخيبة الأمر تجري مسبقا في عروقه وتستنزف  فِكره.

فلهذا نرى المجتمع يستمر في حياته وحركاته وكأنه ليس على علم بهذه الأخبار ولم تعُد تقلقه أكثر مما يقلقه واقعه اليومي لأننا أصبحنا نستهلك وجبات الرعب الواقعي والمستقبلي وكما يقول المثل المغربي “نْهارْ العْرْسْ زيدْ وْ لا نْقّصْ بْصْلَة، فيكْ فيكْ

3- تأثير الأخبار المرئية عبر المواقع الصحفية و الفيسبوكية

للصورة الإخبارية أو الفيديو الإخباري أخطار كثيرة وكبيرة لأن الصورة تُعتبر حقيقة مطلقة لدى جل من يشاهدها ولها تأثير عالي على صحتنا النفسية وتبقى مسجلة في ذاكرتنا إلى الأبد بخلاف ما نقرئ أو نسمع من أخبار. لأن الصورة تؤثر تلقائيا على عواطفنا وشعورنا وبإمكانها أن تتسبب في صدمات نفسية خطيرة (غالبا القلق واضطرابات النوم) وخصوصا عند الطفل والمراهق.

4- خصوصيات الطفل والمراهق أمام هذه الأخبار

الدماغ في هذه الفترة العمرية لا زال في مرحلة النمو الذي يستمر لدى البالغين إلى حدود سن الخامسة والعشرين وبطبيعة الحال سواءً كانت هذه الأخبار صحيحة كانت أم مزيفة وخصوصا الصور الإخبارية و الفيسبوكية التي تُنقش في ذواكرهم خاصة الأطفال و الشباب اليافعين إلى الأبد وعواقبها خطيرة على توازن النظام البيولوجي لأدمغتهم  وغددهم و حتى على نموهم وفي ثقتهم في عوائلهم  ومدارسهم ومجتمعاتهم. وكل هذه المخاطر تُشوِّش على تركيز التلميذ وفي حالة قلق، مفرط في بعض الأحيان، بدون أن نفهم ما هي الأسباب في ذلك. وهذا القلق المزمن يزيد في إدمانه على الفيسبوك (كثرة الصور والفيديوهات) آملا بطريقة غير شعورية أن يجد أخبارا ترفع معنوياته وتُسكن فيه الطمأنينة. ولا ننسى أن الطفل أو المراهق لا يملكان القدرات الذهنية الكافية للتمييز بين الصادق والزائف والصحيح والخاطئ من أخبار وبالتالي يقع الخلط  عند هذه الفئات العمرية بين الواقع والخيال ولذلك يتأثرون بـسهولة بـ كل ما يُرى و يُسمع ويُقرئ .

الدكتور جواد مبروكي،

خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي