لماذا يحاول حزب PJD تحويل قضية السيد حامي الدين من محاكمة حق عام إلى محاكمة سياسية؟

28 ديسمبر 2018 - 2:32 م

وفق الأخبار التي نشرتها بعض المواقع الالكترونية، فقد هاجم مجموعة من مناضلي حزب العدالة والتنمية محكمة بفاس والتي استدعت السيد حامي الدين أحد مناضلي هذا الحزب في إطار المتابعة القضائية المتعلقة بمساهمته في جريمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، وذلك في أول جلسة ليدلي بإفاداته في هذه التهمة الثقيلة، غير أن الإخوان في حزب العدالة والتنمية كتفوا الجهود و تضامنوا مع زميلهم في الحزب في قضية تتعلق بالحق العام، وحسب الأخبار المتداولة إعلاميا، فإن هؤلاء قدموا من الرباط عاصمة المملكة بعدما وزعوا الأدوار، بحيث الدور الأول قام به وزراء الحزب ويتعلق الأمر بإجراءات استباقية كما جاء على لسان السيد الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، والأستاذ عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق للحزب، ثم السيد سعد الدين العثماني رئيس الحكومة الحالية، والأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية، أما الدور الثاني وهو الذي قام به مجموعة من المنتخبين والبرلمانيين، ورؤساء مجالس المدن، وكثيرون هم مناضلون في صفوف الحزب، حيث التقوا جميعهم أمام المحكمة بفاس، وحاولوا الهجوم عليها والدخول إليها، غير أن رجال الأمن كانوا لهم بالمرصاد ومنعوهم من الدخول إلا بعد أخذ و رد، فسمح لهؤلاء القادمون بالدخول وهو أمر تحسب حسناته إلى الدولة حيث عالجت الموقف بالحكمة والتبصر وتفادت ما كان قد يحدث من خلال هذا الهجوم أو المواجهة لا قدر الله، خصوصا و أن الإنزال كان قويا وبعدد كثير من المناضلين البيجيديين قدموا من مختلف المدن المغربية.

وكان على رأس هذه الجموع الأستاذ عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابقة، وهو الذي كان يندد بمثل هذا الفعل المنافي لمبادئ القانون الذي المغاربة أمامه سواسية، وهو فعل قد يشجع آخرين أن يسلكوا نفس التصرف الذي قام به هؤلاء، وجلهم إما برلمانيون أو وزراء سابقون أو رؤساء جماعات، والمسألة تكتسي صيغة الحق العام ، والقول ماذا لو كان الأمر يتعلق بمسألة سياسية، ويرى الملاحظون كان من الواجب على الأستاذ بنكيران أن يلتزم الحياد شخصيا احتراما لما تحمله من مسؤوليات في هرم الدولة، وهو كرئيس الحكومة، لكن الاعتقاد أن توزيع الأدوار هو الذي فرض عليه القيام بهذا التصرف الذي لا يليق ومقام السيد بنكيران، الذي قال في الأمس أنا مع الحق العام، وأن الشعب المغربي يساندني، فأين نحن اليوم من هذا؟ والمسألة مسألة حق عام، والشعب المغربي قاطبة يمثله القضاء، ولا غرابة إن قلنا أن المتهم ابن الشعب والضحية ابن الشعب أيضا، فأي منهما يكون معه الأستاذ بنكيران، حيث إن صيغة السياسة تسقط في مثل هذه الحالة، وهل للأب أن يميز في الحقوق بين ابن و آخر، إن كان الأستاذ بنكيران يعمل من أجل إحقاق الحق و إزهاق الباطل ونحن في دولة الحق والقانون وبالأمس كان رئيسا للحكومة يعني رئيسا للمغاربة كافة، أو أن العقيدة الحزبية غلبت في هذه الحالة؟

أما وزراء حزب العدالة والتنمية وهو الحزب الأغلبي، كان عليهم المراقبة، وتتبع الأطوار والأحداث من خلال المحاكمة العادلة التي تراقب بواسطة السيد وزير العدل، وهو ينتمي إلى حزب آخر مشارك في الحكومة بمجموعة من الوزراء مكلفين بقطاعات حيوية إلى جانب زملائهم الوزراء الآخرون، وكل هؤلاء الوزراء سواء المنتمون أو غير المنتمون تحت إشراف الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية.

و الداعمون للسيد المستشار البرلماني المحترم، المتابع بجناية مساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد تغيبوا عن الإدارات والمؤسسات التي يسيرونها وهم منتخبون من طرف الشعب المغربي وبالتالي ضيعوا مصالح المواطنين أو عطلوها، أو أخروها ومعها ضاعت الحقوق، وهم فرطوا في الواجبات فضلا عن هذا يعتقد أن هؤلاء القادمون من المدن الأخرى جاءوا على متن سيارات الدولة وهو فعل قد يعرضهم إلى المساءلة إن كان صحيحا.

أما الأمر الذي يستحق التعجب والتمعن والتحليل الدقيق هو أن الأستاذ بنكيران صاحب معه الحراس الشخصيين الذين تؤدي لهم الدولة أجورهم، وهو في هذه النازلة ضد قرار الدولة الممثلة في القضاء المستقل بتحريك الدعوى من جديد  بعد 25 سنة خلت على وقوع جريمة القتل، أي أنها تقادمت قانونا، لكن الأمر ليس كذلك لأن تحريك هذه الدعوى جاء بناء على وقائع أخرى مخالفة للواقعة المتقادمة، هذا والجنايات مهما تقادمت من حق النيابة العامة تحريك الملف من جديد إذا ظهرت دلائل تفيد القضاء في براءة المتهم أو تكييف الجريمة و أساسا إذا كانت الوقائع تختلف عن بعضها، إنه رأي بعض فقهاء القانون.

وليسمح الإخوان أن أقص عليهم واقعة قرأت عليها في بعض الأخبار الصحفية في السبعينات، وهي وقعت في الستينات، وذلك باختصار شديد، وهو أن شابا في فرنسا وقع في حب شديد لفتاة وأصبح يغار عليها بشدة ويكره كل من ينظر إليها معتقدا أنها ما ولدت إلا من أجله ولا يمكن لأي آخر خارج المحارم أن ينظر إليها، وحاول مقاومة هذا الشيء غير انه لم يستطع، وذات يوم ومن أجل الاحتفاظ بها لنفسه وفي مخيلته قرر قتلها ودفنها تحت سرير نومه، وبعد البحث والتحقيق معه لم يعترف، وظلت القضية لمدة تفوق عشرون سنة، حيث ظهر شاهدا كان إبان زمان وقوع جريمة القتل صبيا، وهو ابن الحي الذي وقعت فيه هذه الجريمة الشنعاء، وكان أحيانا يدخل عند الجاني، وكان هذا الأخير عندما يدخل إلى المكان المدفونة فيه الضحية يناديها ويتحدث إليها بهمس، وهو مرة يبتسم ومرة يكفهر بالندم، وهو يتخيل تلك الفتاة المسكينة لأنه وحده احتفظ بملامحها وذكرياته معه لوحده، وفي إحدى الأيام تقدم ذلك الشاب إلى مركز الشرطة وقص عليهم ما سمع ورأى في تصرفات الجاني بعدما راجع ذاكرته، حيث كان يرى تلك الفتاة تأتي إلى منزل الجاني، وذات مرة دخلت ولم تخرج، وحينها فتح التحقيق مجددا واعترف الجاني بفعلته، وفعلا وجدوا الجثة مدفونة تحت سرير النوم الذي دلهم عليها الجاني، والله حينها بكيت ولم أتحكم في دموعي وكان عمري لا يتعدى 22 سنة، حيث قرأت القصة في أواخر السبعينات، فالروح عزيزة عند الله ولابد من ظهور الحقيقة إن كانت أسبابها غدرا أو انتقاما.

وفي قصة أخرى حكى إلي وقائعها باختصار السي ادريس بنكيران وهو أب زوجة السيد عبد الاله بنكيران عندما كان قاضيا عسكريا، حيث حكم على مجرم اقترف جريمة القتل بالإعدام، وبعد شهور تبين أن ذلك المحكوم عليه بالإعدام بريئا بعد ظهور المجرم الحقيقي، والغريب في الأمر أن ظهور الجاني الحقيقي كان في وقت ضيق جدا يفصل ميعاد تنفيذ حكم الإعدام في المتهم البريء ولم يكن من اختصاص السي ادريس ايقاف تنفيذ الإعدام إلا بأمر من صاحب الجلالة وكان الملك هو محمد الخامس قدس الله روحه، والواقعة كانت في مكناس، ولم تكن وسائل النقل متوفرة حتى يحضر السي ادريس إلى الرباط ليؤشر له سيدنا محمد الخامس رحمه الله على وقف التنفيذ الذي كان مقررا فجرا، وما كان أمامه إلا سيارة صغيرة اسمها “ستروين Deux CV” كما حكى السي ادريس رحمة الله عليه، وفعلا وصل ليلا إلى القصر الملكي وأصر على مقابلة جلالة الملك، وبعد حين حظي باستقبال جلالة الملك محمد الخامس أنعم الله عليه بالجنة والغفران،  وأشر على إيقاف تنفيذ الإعدام وعاد السي ادريس بنكيران إلى مكناس قبل تنفيذ الإعدام بقليل من الوقت، إنها معجزة الله في عباده، والمطلوب لابد أن يقف الله إلى جانبه رحم الله السي ادريس و أسكنه فسيح الجنان مع الصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وهذه القصة حكاها لي السي ادريس ونحن في زيارة مولاي ادريس بمدينة فاس بمعية مجموعة من الرفاق من جمعية الإمام البخاري برئاسة الدكتور مولاي يوسف الكتاني رحمه الله، حيث ان السي ادريس كان لنا صديقا مشتركا وهنا أقول “الحق يعلو ولا يعلى عليه” ودعوة المطلوب ليس بينها وبين الله حجاب، أما تفسير الهجوم فما هو إلا تطبيقا لما هدد به الإخوان في حزب العدالة والتنمية.

لن نسلمكم أخانا (السيد عبد الإله بنكيران)، لن أتخلى عن زميلي في الحزب (السيد سعد الدين العثماني)، نستغرب لفتح الملف بعد 25 سنة، وهو ما جاء على لسان الأستاذ الرميد الوزير المكلف بحقوق الإنسان، هذا ما أشعل الفتيل و أجج الحالة مع السلطة القضائية..

وخلاصة القول، أن استدعاء السيد حامي الدين إلى المحكمة وهو في حالة سراح، وحيث تأجلت هذه المحاكمة إلى شهر فبراير، وقد تتوضح معالم القضية وحينها يعتقل إن ثبت ما نسب إليه، وفي هذه الحالة أنصاره ماذا هم فاعلون؟ هل يتخلون عنه؟ أو يمتنعوا عن تسليمه إلى المحكمة؟ وما يدل على ذلك هو نزولهم إلى المحكمة بالشكل الذي لوحظوا عليه؟، وهم متشابكوا الأذرع وكأن الأمر يتعلق بمواجهة أو احتجاج ضد قرار غير صائب، وإن كان غير ذلك فالبراءة وهي الأصل،

-حيث قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونة –الفصل 23 من دستور 2011-

أما الفصل 117 من الدستور، يقول:

-يتولى القاضي حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.

ونجد الفصل 119 من الدستور أيضا ينص على أن:

-يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

ويأتي الفصل 120 الذي مفاده:

– لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول

– حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.

أليست هذه النصوص القانونية ضمانة كافية تحمي المتهم والمطالب بالحق المدني أو المجني عليه؟

إذن فلماذا هذا الجدال وهذا الإنزال و “الهراج والمراج” والمغرب دولة الحق والقانون، وقد يكون الذين يتنكرون لها قد ساهموا في تنزيلها وتأويلها وفق الحالة.

اللهم أظهر الحقيقة و أزهق الباطل.

عبد العزيز الادريسي