“حلوط” في رسالة نارية للوزير تُعري واقع الصحة بالمغرب

7 يناير 2019 - 6:19 م

رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الصحة

السيد الوزير : شاء القدر ان يمنحكم فرصة التربع على كرسي وزارة الصحة بعد تنحيت سلفكم الذي يوحدكم وإياه الانتماء الحزبي وفي ظل نفس الحكومة ،مما يؤكد استمرار نفس النهج الذي اختير لقطاع حساس يكتسب أهمية بالغة في اهتمام والحياة اليومية للمواطن ، وذلك نتيجة حضور المرض لدى جل الأسر الفقيرة إن لم نقل جميعها نظرا لغياب الشروط الضرورية لحماية صحتهم من سكن لائق وتغذية متوازنة وعمل دائم وقار وحرية تتسع لممارسة حق المواطن في الممارسة السياسية والنقابة والثقافية و….

هذا المواطن الذي علق الأمل كله على بطاقة ( RAMED) واعتبرها الحل السحري تحقق له انتظاراته وآماله في الاستفادة من خدمات صحية أو على الأقل علاجية تسكن ألامه وتخفف معاناته وتنمي أمله ، وكلما خاب أمله جعل من الموظف البسيط (ممرضا آو طبيبا وقد يكون  متصرفا أو تقنيا وفي حالات أخرى عون حراسة  ) محطة إفراغ غضبه فتصدرون بلاغا باسم وزارتكم تنددون بالاعتداء وتعينون محام يؤازره في شكواه إن قام لذلك بشكل رسمي، وانتم بسياستكم هاته تجعلون من المواطن والموظف ضحايا معا ، أما حين يشاء القدر ، عفوا ، حين تشاء ظروف العمل أن يرتكب موظفا ما خطأ ودون قصد فتتركوه وحيد يواجه مصيره إن لم تكن إدارتكم طرفا سباقة إلى التبليغ عنه ، وما حالة الممرضتين بمستشفى الليمون اللتين التحقا بعملهما لانقاذ الاخرين فوجدا نفسيهما وراء القضبان دون منقد، وحين نقول ظروف العمل ليس سيرا على نهج “انصر أخاك ظلما آو مظلوم” وإنما لما نعيشه بشكل يومي من ظروف عمل تتجاوز الطاقة الذاتية والذهنية للشخص ، وانتم تعلمون إن الساعات المحددة حسب دورية الحراسة والإلزامية تمتد لمدة 12 ساعة وفعليا قد تكون أكثر ودون تحديد عدد المرضى المتكفل بهم وفي غياب وجبات غذائية متوازنة ومرافق صحية لائقة وماء ساخن وتدفئة في مناطق قد تنخفض درجات حرارتها أحياناإلى ما تحت الصفر ونظافة محيط تحفز على حب المكان وبتعويض لا يكرس الا الاحتقار للموظف في القطاع ويعمق تدمره ووضعه في مؤخرة اهتماماتكم او على هامشها.اذن كيف لممرض يعمل لوحده على امتداد فترة الحراسة يعيش ضغط المسؤولية الإنسانيةأمام ضميره والمسؤولية المهنية أمام مسؤوليه الذين لا يحسنون إلا لغة العقاب والمساءلة أن لا يرتكب اخطاءا وليس خطأ واحدا ، وان تم ذلك نتركه ضحية إعلام ينهش لحم كرامته ويجعل منها وقودا تغذي ارتفاع عدد قارئيه وتظل وزارتكم بعيدة عن هذه الصورة القاتمة

ان الحماية الحقيقية لموظفي القطاع تعني توفير الشروط الضرورية للعمل،شروطا  تحفظ كرامة الموظفين ، شروطا تحسن ولوج المواطنين وطالبي العلاج وتوفر إقامة جيدة للمرضى او على الأقل لائقة وتمكنهم من الاستفادة  من الخدمات الصحية الملائمة لوضعهم الصحي ـإن اقتلاع شجرة اصابها مرض ما  لا يتطلب تشذيبأغصانهاوإنما اقتلاعها من جذورها ومعالجة المرض تتطلب القضاء على الجر توم المسبب وليس معالجة مظهراته من حمى وألم

إن الحماية الحقيقة للموظفين هي ، أن تسارعوا إلى الاستجابة لمطالب الموظفين بجميع فئاتهم التي تحاصركم في جل زياراتكم للمؤسسات الصحية بدل أن تعبروا عن تفهمكم لها هذا في أحسنالأحوال وفي أسوئها تؤلبونهم ضد إطاراتهم النقابية كالقول “فين كنت شحال هذي” أو ” شوفو مع النقابات ديالكم”

السيد الوزير ، لا ننكر أنكم كنتم فعلا بارعين في الحفاظ على نفس مضمون خطاب سلفكم ، خطاب يعمل على تضليل الموظف والمواطن على السواء ويشعل حربا بينهم حربا قد يكون ميدانها المؤسسات الصحية عبر اعتداءات جسدية واهنات لفظية ، أو مواقع التواصل الاجتماعي عبر تدوينات تهكمية وبمضمون قدحي ،

السيد الوزير : قد يتبادر إلى ذهن البعضأن كل ما سلف ذكره هو تحاملا عليكم  وتبخيسا لمجهوداتكم ، ولهذا ادعوك لنتجول معا بالمؤسسة الصحية التي اعمل بها وهي المركز الاستشفائي الجهوي الفارابي بمدينة وجدة ، ويكون ولوجنا للمؤسسة من المدخل المؤدي لقسم المستعجلات ، لنجد أمامنا موظفين/ات بعدد قليل  جلهم اقترب من سن التقاعد وبعضهم لم تعد تفصله عنه إلاأياماأو بضعة شهور وان سألتهم عن حالتهم الصحية ستجد لدى جلهم ما يثبت إصابتهم بأمراض مزمنة ابسطها ارتفاع الضغط الدموي ومرض السكري وقد تمكن من أعضاء أخرى ( القلب ، العيون ،….)أما الأسرة فتقر حين الاضطلاع على حالتها أنها لم تعد صالحة للاستعمال  ومنذ مدة طويلة واترك لمخيلتكم واسع النظر في شان أدوات وتجهيزات العمل، ونحن نهم بالخروج من القسم لولوج  المؤسسة سنمر على المرافق الصحية التي اعجز عن وصف وضعها لكن كن متيقنا انك ستشمئز  من ولوجها ، وان غادرنا مصلحة المستعجلات سنكون في محاذاة قسم الإنعاش الذي يعمل بممرض واحد خلال كل فترة حراسة ، أما مصلحة الكشوفات الوظيفية التي تحاذيها فسنلجها لتقف على تعطل جل أجهزتها ، أما بعض القاعات لن ندخل أليها نظرا لتسرب المياه العادمة عبر سقفها ، لن أطيل عليك في سرد مشاكل كل مصلحة على حدا ، لأن جميعها تشترك في نقص الموارد البشرية واهتراء أجهزتهاإلا البعض القليل الذي استفادت من تدخل ” محسنين ” الذي تحولوا إلى ملجأ لبعض الموظفين وأحيانا مسؤولون لإنقاذ مصالح بلغت حالتها من التردي درجة قصوى ،مما حولهم أي المحسنين إلى فاعل ثابت في القطاع ، وإذا كانت المصالح الاستشفائية تستوجب العمل المتناسق والمتكامل وان تعطلت إحداها عطلت الآخرين وجعلت من الموظف  فلك أن تتصور كيف للممرضين والأطباء بمختلف الأقسام ضمنها المستعجلات انجاز مهامهم في ظل توقف مختبر التحاليل الطبية  المنتظر في بحر الأيام القليلة القادمة نظرا لعدم توفر الكواشف réactifs ولكم أن تتخيلوا ردود فعل مواطن يلج المستعجلات فيتم توجيهه لإجراء التحاليل الاستعجالية بمختبر خصوصي وان كانت الفترة ليلية فذلك شان أخر، ونفس الشيء بالنسبة لمريض يقيم بمصلحة استشفائية ،هاته المصالح التي تعج ليل نهار بالبعوض الذي يقض مضجع المرضى والموظفين على السواء والذي توفرت له كل ظروف التكاثر والتوالد بالطابق تحت ارضي الذي تحول إلى بركة للمياه العادمة وملجأ للمتلاشيات

السيد الوزير ونحن نلج المؤسسة ،يقينا استقبلنا قبل ولوجها أعوان حراسة ، ونحن نتجول بين مصالحها نكون قد صادفنا مستخدما ينقل مريضا أو مستخدمة نظافة ، يتميزون بعضهم عن بعض ببدلاتهم وبالشركات التي هم متعاقدون معها ويتوحدون جميعهم بواقع البؤس والمعانات الظاهرة على محياهم ، يعملون على امتداد الليل والنهار دون أي تميز في الأجر بين فترت العمل ، أجر يعمق معاناتهم نتيجة عجزه عن تغطية ابسط الحاجيات والضرورية منها طبعا ، وفي غياب الشروط الضرورية للعمل المنصوص عليها في مدونة الشغل التي يدوس بنودها أرباب شركات المناولة بالمؤسسة والتي حولت هذه الأخيرةإلى مصدر اغتناء غير مشروع عبر النهب المفضوح للمال العام تحت إشراف المسؤولين ،

قد تقولون إننيأطلت عليك بهذه التفاصيل المملة  لكن إن كانت مملة لكم في السرد فقط فوقعها مختلف لموظفين يعيشون تباتها اليومي على امتداد مسار عملهم بالمؤسسة ويحول فترات عملهم إلى جحيم يومي

السيد الوزير: هذا الوضع وان كان خاصا في تفاصيله بمستشفى الفارابي بوجدة فيقينا يتقاسم مضمونه مع مؤسسات صحية في جل المناطق باعتباره نتيجة سياسة صحية يتم تنزيلها على امتداد رقعة الوطن، وإذا كانت هذه الصورة قاتمة التي اضطرلإرسالها لكم عبر القنوات المتاحة فأظنأنها لن تخضع لمضمون مذكرتكم التي تهدد الموظفين في حالة نشرهم لصور المؤسسات الصحية لأنكم اقتصرتم على الصور الفوتوغرافية وأتمنىأن لا يتم تعديل المذكرة لتشمل التقارير المكتوبة

أخيراأشكركم على سعة صدركم و على الوقت الذي قد تأخذه منكم عملية قراءة رسالتنا وننتظر تفاعلكم معها
وجدة 2 يناير 2019

عبد القادر حلوط

                                                                                                          ممرض بمستشفى الفارابي

الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للصحة ك د ش