المغرب بين أحلام المداويخ وجبروت الشوامخ

13 يناير 2019 - 9:39 م

لا حاجة للتعريف بمصطلح المداويخ، فالمقصود به هنا الشعب كما ورد في كلام الوزبر، ومن يريد معرفة المعنى المقصود منه فليرجع إلى ابن منظور ليزيل الشك باليقين، أو إلى القاموس المحيط والقابوس الوسيط لما ذهب من لغة العرب شماطيط، هنا أو هناك لا يختلف معنى كلمة داخ التي استخرج منها الوزير اشتقاقه الذي بلغ الآفاق، وسيبقى تداوله ما دام صاحبه في منصبه دون مساءلة ولا حساب. وحتى أخفف على القارئ عبء البحث عن معنى كلمة داخ ومشتقاتها، يكفي الإشارة أن من معانيها عند ابن منظور الخضوع والإدلال، وهذا المعنى يوحي به عنوان المقال، لأن جبروت الشوامخ يوحي بقهر المداويخ وإدلالهم، وهذا ما أكده البعض حين وصف الشعب بالخونة والقطيع، وأخف المصطلحات التي جاءت على لسان بعض الوزراء هي كلمة الكتائب وهي مقبولة شيئا ما رغم ما تحمله من معاني التحقير المؤدب. ما هي إذن أحلام المداويخ المقصودة من عنوان المقال ؟ ولماذا قرنت بجبروت الشوامخ ؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة دون تفصيل إلى مقاطعة بعض المواد الأساسية من طرف الشعب لأنها هي المحور الأساسي للموضوع، لولاها ما سمعنا بالمداويخ، لولاها ما ذكر الشوامخ، بعض المسؤولين ومن يدور في فلكهم من افلام مأجورة، وألسنة مسعورة، يتبرمون من حملة المقاطعة باستخدام منابر التوصل الاجتماعي لترويج الأكاذيب كما يقولون، يركزون على قنوات التواصل الاجتماعي ولا يقفون على محتوى الرسائل المتداولة، والبحث في عمقها واسبابها، لا ينظرون إلى تنوع الرسائل، وجرأتها، وأشكالها المختلفة التي هندسها بعض أبناء هذا الشعب الذي أصبحت فيه هذه الكلمة ثثقل أسماعهم، فسارعوا إلى استبدالها بالمداويخ. نعم هم كذلك، لأن الشعوب لها مؤسسات برلمانية تمثلها وقت الشدة ووقت السعة، والشعب المغربي ليس له من النواب إلا أمثال من ينعته بالقطيع، الشعوب الحرة لها حكومات تدير الأزمات بالحكمة والانصات والتحسيس والبحث عن الحلول لرفع الظلم عن الناس، وفي وطننا يسأل الوزراء عن المقاطعة فيرفضون حتى الإشارة للموضوع مع علمهم أنه تخطى الحدود وكثر فيه القيل والقال. أما المنابر الإعلامية العمومية الرسمية فهي دائخة، صامت على الكلام مع قرب شهر الصيام، تتكلم في كل شيء إلا فيما يهم شعب المداويخ، بل ليتها صمتت، لكن تسخر بعض ادرعها هنا وهناك لاستنكار المقاطعة العفوية، وتحملها تبعات ما يلحق من ضرر بالشركات المعنية، وكأن الشعب بهدف بالمقاطعة إلى الهدم وليس إلى البناء. هكذا إذن يتصرف بعض الاعلاميين، يقفون في مواجهة الشعب بدل الوقوف بجانبه في مواجهة الفساد، كما وقف بعض الوزراء والنواب، ولم تسلم النقابات من وقوف المواقف المريبة بهذه المناسبة، يكفي الإشارة إلى أن احدى “المناضلات” لمركزية نقابية تقود الحوار الإجتماعي، تنصلت بازدراء من الرد على سؤال حول المقاطعة، وأكدت بما لا يدع للشك، أن مركزيتها النقابية مصابة بالصدمة من موقف الشعب من المقاطعة، حتى أجبر موقفها اللامسؤول مسؤولا في نقابتها على التدخل للتخفيف من الورطة التي تسببت فيها. هذا الصمت الطويل للحكومة، والبرلمان، والاحزاب السياسية، والنقابات، والاعلام الرسمي عن موضوع مقاطعة الشعب للمواد الاساسية للعيش، يطرح اكثر من سؤال يصب في جواب واحد، أن الشعب في واد ومؤسساته في واد آخر، أن الشعب يبحث عن مخرج لتقويم سياسة اقتصادية واجتماعية تضمن التعايش والسكينة، وأعداؤه يريدون التمادي في سياسة ظهر فشلها للعيان، وأعادت تقسيم المجتمع الى فئتين : مداويخ وقطيع وخونة، وأسياد يسيطرون على الثروة وينظرون في السياسة بعد احتلال مناصبها، وبينهما تنظيمات سياسية ونقابية وجمعوية تمثل الديمقراطية في وجهها القبيح، إن شعب المداويخ يبحث عن العدالة الإجتماعية والبعض يبحث عن الاغتناء بأسرع الطرق غير القانونية مستعملين مؤسسات الدولة لإضفاء المشروعية على أنشطتهم، إن شعب المداويخ يخوض معركة سلمية لا تؤثر سلبا على السير العادي للمؤسسات، والبعض يبحث عن الفتنة وجر الشعب إليها لشل الحركة المجتمعية التي تهدف إلى الحرية وبناء المواطن على مبادئ تستند إلى القانون المرجعية الدينية والثقافية للشعب.

الأخطر من هذا ان يشعر شعب المداويخ أن الوضع الحالي والواقع المعاش وكأنه مخطط له سلفا ليصل إلى ما وصل إليه، أولا بتحطيم النظام التربوي وتجهيل المداويخ، ثانيا بتحطيم وحدة الأسرة بوضع قوانين تعمق الهوة بين المرأة والرجل وتزرع بينهما العداوة بما يثأر من قضايا مختلفة كالمواريث والمساواة وغيرها من الأمور التي تشجع على النفور أكثر من تشجيعها على التساكن، ثالثا بنهج سياسة اقتصادية تزيد من تأزيم وضع الفئات الهشة، رابعا بغض الطرف على المتاجرين بقوت الشعب سواء بالغش او بالاحتكار او الزيادة المهولة في الأثمنة، خامسا بنهج سياسة إعلامية تعصف بالقيم وتشجع الانحلال… كان من الممكن معالجة حراك المقاطعة وتدبيره بالوسائل المختلفة أقلها الإنصات للناس والبحث بجد عن مدى صحة ما يتداولونه على وسائل الاتصال الاجتماعي، لكن موقف الحكومة لم يكتف بالصمت والتجاهل فقط” بل سكت على إهانة الشعب من طرف المحسوبين عليه، وهذه كافية للقول أنه غير مؤهل لقيادة المداويخ والقطيع وتدبير شؤونهم اليومية. الآن يصعب التنبؤ بما ستأتي به الأيام، لقد بدأ جليا ان مساحة المقاطعة ستمتد بالنظر إلى ما يلاحظ من مقترحات في هذا الشأن، لقد وضع البعض أصابعه على الزناد بالإشارة إلى موازين، واجتهدت الكتائب مستعينة بالمواقع ذات الأهمية لتفصيل تركيبة أثمنة المحروقات تفصيلا تقنيا لا يخفى على أصحاب الاختصاص، وتجندت فرق أخرى فنية لتنويع مائدة المقاطعة باسكيتشات ترفيهية تجمع في قوالب فنية بين مآسي المداويخ وعجرفة الشوامخ، هذه المواد الفنية الرائعة تستحق العرض في رمضان في الشاشات العمومية ويكون الإقبال عليها منقطع النظير في حالة قيام ادارة القنوات الرسمية من اتخاذ قرار جريء بالتعاقد مع أصحابها حتى تتحصن هي الأخرى من وباء المقاطعة وتقدم المداويخ عروضا ترفيهية من انتاجهم الفني يصعب انتقاده. على كل حال أصبح مستقبل للحكومة مرهون بالمقاطعة، وليس العكس، اظن أنه إذا أرادت تأمين نفسها من الآثار التي ستترتب على المقاطعة، فعليها اتخاذ إجراءات شجاعة تبعث بإشارات مطمئنة لشعب المداويخ أهمها : – إجبار من أهان الشعب على الاستقالة. – اعتذار الحكومة على ما بدر من بعض أعضائها من اهانة وعلى صمتها مدة طويلة، فهم منه أنها في مواجهة الشعب إلى جانب مستغليه. – مراجعة أثمنة المواد موضوع المقاطعة بهدف تصحيح وضع تعلم أنه مختل وأن الاثمنة الحالية لا تحقق العدالة الاجتماعية. في انتظار ذلك أدعو بالسلامة والعافية لشعب المداويخ وشوامخهم. حفظ الله الوطن من شوامخه ونصره بيقظة مداويخه.

معاش اسلاسلي