المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. ورش ملكي يجعل من الشباب قوة عمل ومحركا لإنتاج الثروات

8 فبراير 2019 - 9:26 م

أرست المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعلن عن ميلادها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في 18 ماي 2005، نموذجا واضح المعالم للنهوض بالإدماج السوسيو- الاقتصادي للشباب كقوة عمل ومحرك لإنتاج الثروات، وذلك بفضل اعتماد مبدأ التحديد الأمثل للمجالات الترابية ذات الأولوية وللمستفيدين، والإدماج الاجتماعي والزمني للتدخلات والبرامج الاجتماعية.

وهكذا، فقد خصت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية فئة الشباب بعناية خاصة ضمن المشاريع والأنشطة التي تنجزها على الصعيد الوطني، لاسيما في مرحلتها الثالثة (2019-2023)، التي رصد لها غلاف مالي مهم يقدر بـ 18 مليار درهم، خصص منها 4 ملايير درهم للبرنامج الثالث من المبادرة الموجه لتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب الذي يعد ثروة حقيقية بالنسبة للمغرب.

وفي هذا السياق، تسعى المرحلة الثالثة إلى تعزيز مكتسبات المرحلتين السابقتين (2005-2011) و(2011-2018)، اللتين مكنتا من إحداث نحو 9400 نشاط مدر للدخل، مع إرساء ثقافة جديدة تتوخى ضمان استدامة هذه الأنشطة من خلال مواكبة حاملي المشاريع والمساهمة في التكوين ومواكبة الفئات الأكثر هشاشة في النسيج الاجتماعي.

وتؤشر هاته المعطيات على أن المغرب مقبل في هذا المجال على عدد هائل من المبادرات الاجتماعية، وحجم ضخم من الإمكانات المالية التي يتم رصدها للرفع من مؤشرات التنمية البشرية، حيث يعتمد البرنامج الثالث الموجه لتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب على تمويل مؤسساتي تساهم فيه الدولة ووزارة الداخلية من خلال المديرية العامة للجماعات المحلية، وكذا تمويل من جانب القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

ويرتكز تنزيل هذا البرنامج على ثلاث دعائم تشمل الاهتمام بالعنصر البشري من خلال اعتماد إجراءات دعم التكوين والمواكبة بهدف إدماج المقاولين وحاملي المشاريع، واعتماد خارطة طريق للتنمية الاقتصادية المحلية بهدف تطوير الأنشطة الاقتصادية وتيسير الإدماج السوسيو -اقتصادي للشباب، علاوة على تحديد المشاريع ذات الوقع الإيجابي.

ويبدو أن هذا البرنامج الطموح لا يختزل التنمية البشرية في مستوى الدخل، ذلك أن مبدأ العدالة الاجتماعية يصير غير ذي جدوى، إذا لم يستند، في نهاية المطاف، على مستوى كاف من الإمكانات البشرية الأساسية. ولعل توسيع دائرة الفئات المشمولة بمسيرة التنمية لتشمل الشباب كفيل بإطلاق دينامية للنمو الاقتصادي وتحسين الدخل الفردي، ومن ثم تصبح التنمية البشرية تنمية للساكنة بالساكنة ومن أجلها.

كما أنه لا يختزل التنمية في مكافحة الفقر والإقصاء، حيث سعى البرنامج الثالث إلى نهج طريقة مختلفة لتحقيق التنمية والرفاهية الشاملة لفئة الشباب من خلال التركيز على بعد الاستدامة، ذلك أن الغرض من التنمية هو توفير محيط محفز، يمكن أي شاب من تنمية قدراته وتوسيع دائرة اختياراته، مع مراعاة اختيارات الأجيال الصاعدة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تنزيل البرنامج الثالث من المبادرة من دون مشاركة فعلية ومسؤولة من قبل مختلف المكونات المجتمعية، وهي المكونات المدعوة لتعميق التفكير وبلورة اقتراحات ناجعة متعلقة بالسياسات المتعين تفعيلها في المستقبل القريب، وذلك في ضوء النتائج المستخلصة من المرحلتين السابقتين من المبادرة بنجاحاتها وإخفاقاتها.

ويبقى دخول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مرحلتها الثالثة خير دليل على أن معالجة القطاعات الاجتماعية في المغرب اتسمت بتغيرات ملحوظة، خلال السنوات الماضية، فملف الإدماج السوسيو-اقتصادي للشباب شهد قطيعة ثلاثية الأبعاد، سواء من ناحية جودة التشخيص والصياغة، أو المعالجة والقيادة، أو نوعية وحجم الموارد المرصودة في هذا الإطار.

فمصير البلاد اليوم، هو بين يدي الشباب الصاعد، فبلادنا توجد في مفترق الطرق، وتتوفر على وسائل انخراطها الحازم في مشروع التنمية والتحديث. وفي أفق تحقيق ذلك، يتعين اعتماد اختيارات منسجمة وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح وإحداث قطيعة تامة مع الممارسات والسلوكات التي ظلت تعيق التقدم في هذا الجانب.

والأكيد أن التنمية البشرية أضحت، أكثر من أي وقت مضى، مؤشرا أساسيا للتقويم في مختلف المجالات، كما أصبحت هدفا لم يعد من الممكن عدم استحضاره، ثم إن الرهان المستقبلي هو رهان الشباب بامتياز، الذي يشكل الدعامة التي يقوم عليها تجديد المغرب ونموه، فهو الذي سيتولى بناء مغرب الغد الذي يحلم به، وعلى الشباب أن يثبت وجوده بوصفه فاعلا حاسما، وفئة وازنة تحظى بأولوية السياسات العمومية.

فمن دون تحقيق الرهانات المستقبلية التي تعتمد أساسا على الشباب، لن يتمكن المغرب، الذي يطمح للانفتاح الاقتصادي على الصعيد الدولي، من ربط إنتاجه بقطار شركائه ومن تنمية إمكاناته في مجالي النمو والمردودية وسلك مسار قادر على تجاوز محدودية المجال الاقتصادي