أوليفيه روا يحلل عوامل فشل “تجربة الإسلام السياسي”

23 مارس 2019 - 6:08 م

تعدّ كتابات المفكر والسياسي الفرنسي، أوليفيه روا، المتخصص في موضوع الإسلام السياسي، من المراجع المهمة في هذا المجال، وفي هذا السياق يأتي كتابه “تجربة الإسلام السياسي”، ترجمة نصير مروة، والصادر عن دار الساقي، عام 1996، واحداً من مجموعة مؤلفاته التي تسعى إلى فهم ودراسة الحركات السياسية الإسلامية وفق رؤية موضوعية وشاملة، مستنداً إلى مسيرته البحثية الطويلة واحتكاكه المباشر بفكر واجتماعيات تلك الحركات.

يتناول أوليفيه روا في كتابه جملة من الأسئلة الإشكالية حول مشروع الإسلام السياسي وأسباب فشل هذا المشروع

يتناول “روا” في كتابه جملة من الأسئلة الإشكالية حول مشروع الإسلام السياسي، وأسباب فشل هذا المشروع، متسائلاً: هل يختلف خطاب المثقفين الإسلاميين الذي ينظر إلى المجتمعات الإسلامية كمنظومة ثقافية كلية شاملة ومفارقة للزمن، عن خطاب الاستشراق الذي يعكس الرؤية ذاتها ويرفضه هؤلاء المثقفون ويناصبون أصحابه العداء؟ هل يقدم الإسلام السياسي خياراً بديلاً للمجتمعات الإسلامية؟ ما هي النتيجة التي وصلت إليها  تجربة الإسلام السياسي، وما حدود التطابق بين متخيلها الإسلامي السياسي وواقع الحال الذي وصلته  وأوصلت بلدانها إليه؟
بكثير من الموضوعية والرصانة، وبعيداً عن التبسيط والتعميم الذي وسم فكر الاستشراق التقليدي وقراءته الثقافوية، يقدم أوليفيه روا، في كتابه هذا خلاصة أبحاثه النظرية والميدانية حول فكر ونشاط حركات الإسلام السياسي المعاصرة ومآلاتها، من خلال معاينته العملية لتاريخانية تلك الحركات التي “ترفض تاريخانيتها”.

 المفكر والسياسي الفرنسي، أوليفيه روا

المفكر والسياسي الفرنسي، أوليفيه روا
ويرصد التغيرات التي حصلت في فكرها وتركيبتها السوسيوثقافية، وعلى مواقفها السياسية وتأرجح علاقاتها مع تيار السلفية التقليدية، ومع أنظمة وحكومات بلدانها، ومع مراكز القرار الإقليمية والدولية المؤثرة في مجال وأطوار نشاطها على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان.
مع الإشارة منذ البدء إلى أنّ بحثه هذا لا يتناول الإسلام بعامة، ولا حتى منزلة السياسة في الثقافة الإسلامية، إنّما يتناول الحركات الإسلامية المعاصرة وفصائلها الناشطة، والتي ترى في الإسلام أيديولوجيا سياسية بقدر ما ترى فيه ديناً، وحملت لواء الاحتجاج ضد الغرب ومناهضة الأنظمة القائمة في الشرق الأوسط. 

يجمع الإسلاميون على أنّ أسلمة المجتمع هي محصلة عمل اجتماعي وسياسي وتطبيق الشريعة هدف ومشروع وليس مدونة ونصاً

يشير الكاتب إلى أنّ هذه الحركات التي قامت على أفكار حسن البنّا والمودودي وسيد قطب، وشكّل تنظيم الإخوان المسلمين مرجعيتها الأولى، قد نمت وتعددت اختلافاتها وانشقاقاتها وتنوعت طرق نشاطها، “إلا أنّه ما يزال هناك قالب مفاهيمي مشترك ينظم فكرها واجتماعيات مشتركة تجمع بينها”.
فهذه الحركات بوصفها نزعة عالمثالثية حسب “روا”، هي حركات احتجاج اجتماعية بالأساس نشأت في ظل الحداثة وتشكل الدولة، وهي “وليدة العالم الحديث سواء على الصعيد النظري أو الاجتماعي”. وغالبية مناضليها ينحدرون من طبقات وسطى تعرضت للإفقار أو عائلات حديثة العهد بالمدنية والتحضر بحكم أصولها الريفية، وفشل وفساد دولها “الحديثة” في عملية تحديث وتنمية مجتمعاتها، بعد أن تحولت إلى دكتاتوريات “معلمنة”.
كما أنّ معظم شبانها لم يتلقوا تربيتهم السياسية في المدارس الدينية، إنّما تخرجوا من التعليم المدرسي الحديث، ومن حظي منهم بتعليم جامعي يكون في الأغلب من خريجي الكليات العلمية التي شكلت محور نشاط تلك الحركات، وليس من الكليات الأدبية والعلوم الإنسانية التي لا تعيرها الاهتمام، كما “استعاروا نطاقهم المفاهيمي من أقرانهم الماركسيين الملتزمين وأفعموها بمصطلحات قرآنية”، وباتوا يرون في امتلاك التقنية والسلطة طريقاً لاسترداد المجتمع الذي أفسدته القيم الغربية.

اقرأ أيضاً: كريم الصياد: انغلاق جماعات الإسلام السياسي يمنع دمجها في الحياة السياسية
لكن الحركات الإسلامية وبرغم أنّها قد ملأت الفراغ الذي تركه انهيار وتراجع الحركات الثورية العلمانية والماركسية والقومية التي جرّدتها ممارسة السلطة من مُثُلها الثورية والإنسانية، إلا أنّها قد رفعت شعارات “لا يشاركها فيها أي من حركات اليسار الغربي، أو أي من الحركات الموازية في بلدان العالم الثالث”. ويبقى السؤال: ماذا حققت حركات الإسلام السياسي من شعاراتها تلك وهل يفي الفكر الإسلاموي بما يعد به؟

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب
قبل أنّ يقدم أوليفيه روا إجابته على سؤال بحثه، ولكي لا يكون جوابه نوعاً من السجال السياسي أو الحكم المسبق الذي تمليه غالباً نزعة أيديولوجية ما يسعى إلى تجنبها ما أمكن، يذهب “روا” من خلال إسهابه الطويل في نقاش ودراسة الظاهرة الإسلاموية، إلى تقديم خارطة مفصلة لتوزع أهم أحزابها وجماعاتها، وآلية نشاطها الدعوي أو الجهادي في الدول العربية والإسلامية وبلدان المهجر، ويرسم خطاً زمنياً لنشأتها وتبدل أفكارها وعلاقاتها، ويوثق مواقفها السياسية والنضالية، والنتائج التي تمخضت عنها.

الحركات النضالية الثورية والتي لم تظهر إلا بعد حرب عام 1967 العربية الإسرائيلية هي الحركات التي مني نهجها الثوري بالإخفاق الأكبر

يشير “روا” في هذا السياق إلى “أنّ الإسلاموية قد نشأت في تواصل مع السلفية وفي قطيعة معها في آن”.  وهذا التواصل يتم عبر تبنّي  كلا الطرفين للفقه السلفي والدعوة إلى التمسك بالقرآن والشريعة والسنة ورفض الإضافات والقياس، وهدف الوصول إلى السلطة، لكن الإسلاميين وهم ليسوا رجال دين، إلا في إيران، وإنما مثقفون شباب يسبغون على أنفسهم صفة “المثقف المتدين”، وينافسون العلماء المتهمين من قبلهم بالفساد والتورط مع السلطات القائمة، بقبولهم بسلطات علمانية وقوانين لا تتفق مع الشريعة.
كما يتميز الإسلاميون، كما يرى، عن سلفية العلماء الإصلاحيين، بالثورة السياسية، والشريعة، وقضية المرأة، إلى جانب انخراطهم الفعلي في العملية الاقتصادية على أرضية اقتصاد الحداثة وأنماطه الاستهلاكية مع مداورة لفظية، تضفي عليها صبغة المقبولية الإسلامية.
ويبين أنّ الإسلاميين يجمعون على أنّ أسلمة المجتمع هي محصلة عمل اجتماعي وسياسي، وتطبيق الشريعة هدف ومشروع وليس مدونة ونصاً، فما أن تتحقق أسلمة المجتمع يمكن تطبيق الشرع بصورة شبه تلقائية، وتقبل الإسلاموية مشاركة المرأة في قطاعات الحياة العامة، والمشاركة الجهادية ضمن شروط الفصل بين الجنسين والاحتشام، عدا القضاء والخلافة أو الرئاسة.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص عبدالجبار الرفاعي فهم جماعات الإسلام السياسي للدولة الحديثة؟
والمبدأ السياسي عندهم ينطلق من أنّ الإسلام فكر كلي شامل وصالح لكل زمان ومكان، “وأيديولوجيا كاملة متكاملة وكلية”، ولا بدَّ أن يكون المجتمع إسلامياً في أسسه وبنيته. وهو ما أسس لدى الإسلامويين نزعة التمرد على الدولة الفاسدة وتكفيرها، واعتبار الحاكم مرتداً، واعتبار الثورة والعنف واجباً ما دام المجتمع في جاهلية.
الأمر الذي سيشكل اختلافاً بين تيارات الإسلامويين أنفسهم، ويقسمهم ما بين ثوريين و”سلفيين جدد”، حسب تعبير روا، تتراوح مواقعهم بين التيارين وتتراوح مواقفهم من السلطات القائمة بين التكفير والمعارضة أو التعاون والتجاهل والتكيف، وتختلف رؤيتهم حول طريقة أسلمة المجتمع وقيام الدولة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟
فمنهم من يراها تتم عبر سلطة الدولة، ومنهم من يراها تتم  بالطرق الإصلاحية من القاعدة عبر النشاط الاجتماعي السياسي، وهي الصلة الفكرية التي ما تزال تربطهم، أو لم تنقطع أصلاً بينهم وبين السلفية التقليدية التي خرجوا عليها.
فالحركات النضالية الثورية والتي لم تظهر إلا بعد حرب عام 1967 العربية الإسرائيلية، وفق روا، هي الحركات التي مني نهجها الثوري بالإخفاق الأكبر؛ “فالثورة الإيرانية غرقت في صراعات البلاط والأزمات الاقتصادية، والمجموعات المنشقة عن حركة الإخوان المسلمين، لم تنجح بإحداث تغيير  في نظام أي بلد عربي، والمجموعات السنية المتطرفة تهمشت، في حين أصبحت نظيراتها الشيعية أدوات تهويل في استراتيجيات الدول واستخدامها للمجموعات الإرهابية”.

اقرأ أيضاً: تورغت أغلو: أردوغان يوفر التمويل والملاذ الآمن لشيوخ الإسلام السياسي
ويرى المؤلف أنّ سلطات الدول أظهرت قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات الدولية على الصعيد الخارجي، وقدرة على احتواء الظاهرة الإسلامية وضبط معارضتها بشتى الطرق على الصعيد الداخلي، بل نافستها على الاهتمام بالمظاهر الدينية ورعاية التدين في المجتمع في شتى المجالات، الأمر الذي أدى إلى فشل وإخفاق مشاريع الحركات الثورية والنضالية على جميع الصعد، وانكفائها وتشتتها وتحول بعضها إلى جماعات معزولة في “غيتو” طائفي أو قبلي، وتحول “جهادها” من أجل مجتمعاتها إلى جهاد مجتمعاتها ذاتها وهجرتها وتكفيرها، فيما عاد القسم الآخر إلى أحضان السلفية التي لم تستطع تجاوز فكرها أصلاً.

ويتابع فشل الحركات النضالية يتمثل على الصعيد الفكري في أنّها لم تستطع أن تتجاوز النصوص المؤسسة التي وضعها السلفيون الأوائل والذهاب إلى ما هو أبعد منها، واقتصر إنتاجها الفكري “على كراريس ومواعظ بلاغية وتفاسير مدقعة واقتباسات من كتب الفقهاء”، ولم تستطع أن تقدم فلسفة سياسية لمفهوم الدولة الإسلامية المنشودة ومؤسساتها، إلا الحاكمية التي تعود إلى الله وحدة، والشريعة كقانون أُنزل سلفاً.

فشلت الثورة الإيرانية التي غرقت في صراعات البلاط والأزمات الاقتصادية والمجموعات المنشقة عن الإخوان بإحداث تغيير بأي نظام عربي

واعتماد مبدأ الفضيلة والإيمان والصفات الشخصية للأشخاص المؤهلين لإدارة تلك المؤسسات التي سيصبح  وجودها ذاتها في فكر الإسلاميين وجوداً نافلاً ما إن يتم نجاح عملية الأسلمة. فلا تقوم الدولة الإسلامية بدون وجود المسلمين الفاضلين، ولا وجود لمسلمين فاضلين دون دولة إسلامية، ويستمر الدوران في حلقة مفرغة ما دام الفكر السياسي الإسلاموي “لا يجد في السياسي إلا أداة للتبشير الأخلاقي. فيعود بذلك، عبر طريق أخرى، إلى فهم العلماء والمصلحين التقليدي له “.
يخلص أوليفيه روا من بحثه التفصيلي لتاريخ الحركات الإسلامية وتجاربها: إلى أنّ الإسلاموية إخفاق تاريخي؛ إذ لم نشهد بوادر قيام مجتمع جديد في أي من بلدان نشاطها، و”الاقتصاد الإسلامي” القائم على الفضيلة والعدل ليس إلا وهماً جميلاً وخطاباً بليغاً لا يقيم عدالة ولا يشبع فقراء، وأنّ الإسلام السياسي لم يعد رهاناً جغرافياً استراتيجياً بل مجرد ظاهرة اجتماعية، والثورة الإسلامية أصبحت تنتمي إلى مرحلة منصرمة، وأنّ الحقبة الإسلاموية قد أغلقت باباً هو باب الثورة والدولة الإسلاميتين، وما تبقى هو بلاغة خطابها، ويترك روا تساؤلاً مفتوحاً بقوله: “إن أزمة الدولة الإسلامية ليست نتاج الثقافة السياسية الإسلامية، إنها أعراض أزمة الدول في كافة بلدان العالم الثالث. والإسلام ليس “سبباً” فهل كان يسعه أن يكون جواباً”.

جاد الله الجباعي

كاتب وباحث سوري