الحنين إلى سنوات الرصاص !

29 أبريل 2019 - 11:29 م

بقلم: معاش اسلاسلي

قد يثير هذا العنوان استغراب بعض الذين يشتغلون بحقوق الإنسان، سواء في المؤسسات الرسمية أو جمعيات المجتمع المدني، فالحنين إلى حقبة من الزمن ليس بالضرورة رغبة في تكرارها لأن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن حينما يتأمل الشخص العادي ما نحن عليه الآن، وما يمكن أن يؤول إليه الوضع في المستقبل يأخذه الحنين إلى الماضي بغض النظر عما كان يحمل من آمال وما صاحبته من مآسي خلفت أضرارا متفاوتة تفاوت الأشخاص، وتنوع الأمكنة، واختلاف مكونات المجتمع… ظلت حقبة “سنوات الرصاص” ولا زالت موضوعا تتنافس على الكتابة فيه الأقلام، وتتنوع فيه الندوات، ويتحدث فيه الناس فرادى وجماعات، ويكاد الخائضون فيه أن يجمعوا على إدانتها وذكر حوادثها بما يفهم منه أن الحقبة كانت سوداء، وأطرافها أعداء للحريات الفردية والجماعية، ولا يذكرون البعض من رجالها إلا بما يسوء من الذكر ويحط من الكرامة، هذه الأحكام العاطفية ليست مبنية على أسس يجب التسليم بصحتها رغم الإجماع الحاصل على إدانتها والإسراع في طي ملفها دون رجعة.

لكن بمرور الوقت أصبح الناس هنا وهناك يحنون الى الماضي بكل ما فيه، ويعبرون عن ذلك بالصراحة لا بالتلميح، يكفي الإشارة إلى ما يردده الناس واصطلحوا عليه بالزمن الجميل، هذا الحنين الى الماضي دليل أن الحاضر فيه ما ينفر ويخيف، وأن هناك أعطاب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها دفعت الناس الى الالتفات للماضي بكبواته وأحزانه، هروبا من حاضر تتطور فيه النظم والمظاهر ويتراجع فيه الإنسان بالاستلاب والاستعباد. قد تكون لسنوات الرصاص مساوئها، وأضرارها التي أصابت مئات المواطنين وعشرات الأسر نتيجة خنق الحريات الفردية والجماعية، لكن هذا لا يعني أن النظام الاجتماعي التي ظهرت فيه لم ينتج نفعا، ولم يوفر استقرارا، بل كان نفع تلك الحقبة أكثر من ضررها، دليل ذلك ان في تلك الحقبة ترعرت اكبر الاحزاب السياسية، قادها زعماء لم يكن همهم جمع المال، وناضل فيها آلاف الشباب يتحملون الاخطار ويواجهون المعتقلات بالاصرار والتحدي، وتميزت المرحلة بالإدارة المحكمة لمؤسسات الدولة المختلفة، اقتصادية كانت او اجتماعية، وبلغ النظام التربوي فيها أوجه مكن المجتمع من أطر كفأة كان لها الفضل في تطوير أساليب الادارة، وكانت المنظومة الصحية أحسن عما عليه الآن بكثير، ولم يكن القطاع الخاص قطاعا جشعا يراكم الثروات ويتهرب من الضرائب ويوسع من الفوارق بين الطبقات كما هو عليه الآن. ومن الآثار الإيجابية التي أنتجتها “سنوات الرصاص” على سبيل المثال لا الحصر :

– هيمنة الدولة على الحياة العامة وانتشار هيبتها على الأفراد والجماعات.

– استقرار المجتمع وعدم تغول الفئة القوية على الفئات المستضعفة.

– وجود أطر حافظت على هبة الدولة وسهرت على دواليب الإدارة يشهد لها بالنزاهة والكفاءة والانضباط.

– الشعور بالأمن العام في المدن والقرى.

– انضباط المنتخبين المنتخبين وتقيدهم بالقوانين ومحدودية الشطط والفساد.

– جمع كلمة الأعراب وخاصة عشائر الخليج.

– تربية المواطن البسيط تربية حصنته من الجشع والأنانية وحبيت له المصلحة العامة على الخاصة.

لما طويت صفحات سنوات الرصاص، وتم تعويض المتضررين أو بعضهم، وتحولت الدولة المهيمنة الى الدولة الصديقة، وادت المصالحة الى وصول بعض المنبوذين الى سلطة القرار، تراجعت الأحزاب عن دورها، واشتغلت بمصالح زعمائها، وعملت على ثراء أبنائها وتويثهم، وشراء دمم المناصرين لها والمدافعين عليها، وعلى صعيد المنظمات العمالية انتكس دور النقابات، فاحتلت المواقع وحصنتها للزعماء، فالتحقوا بنادي الأغنياء، ياكلون من موائدهم، ويسهرون في نواديهم، وتراجع دور المثقفين بحثا عن أدوار جديدة تقيهم شر الطبقات، وتيسر لهم الحاجات، فتاهت باقي الشرائح، تبحث عن مخرج ولا مخرج بضعف يكبلها، وجهل يطاردها، وبطالة تحاصرها، وفقر يداهمها، فلم يبق لها إلا الرجوع للوراء والحنين إلى الزمن الجميل، وإلى سنوات الرصاص، رحم الله من مات من مهندسيها، وأطال عمر من بقي منهم وسار على نهجهم.