بوجمعة العوفي: سُخريةُ المغَارِبَة..

25 يونيو 2019 - 6:49 م

بقلم: بوجمعة العوفي

من المعروف أن أغلب الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية، حين تريد أن تقدم للناس خدمة جديدة أو منتوجا جديدا وتقوم بتسويقه، فهي لا بد وأن تختار أولا اسما أو علامة تجارية لهذا المنتوج، ثم شعارا معينا يظهر مزايا هذا المنتوج الجديد وفعاليته، تعمل المؤسسة المنتجة على ترديده وترسيخه في أذهان الناس ولاوعيهم من خلال حملة إشهارية واسعة ومكثفة.

والطريف أيضا أن بعض المؤسسات التجارية في المغرب، مثل جل أحزابنا السياسية المغربية، تعتمد في الترويج لـ ” منتجاتها ” ومواقفها على خبرة ومعايشة معينة لمختلف الرغبات والحاجات المكبوتة لدى المستهلك – المواطن المغربي، وغالبا ما يكون اللسان الدارج أو العامية المغربية هي الوسيلة الناجعة أو الشكل الأقوى والمؤثر لهذا الخطاب، باعتبار التواصل بين المغربي ورغباته ( في مجال التجارة والسياسة / لا فرق ) ينبغي أن يمر عبر قناة يعرفها الجميع، ويتواصل بها ومعها الجميع.

 وليس من قبيل الصدفة في هذا السياق، ولسنا هنا نقوم بالدعاية لمؤسسة تجارية معينة، أن تختار واحدة من الشركات المغربية المتخصصة في مجال الاتصالات، ومنذ سنوات مضت، اسما بليغا وشعارا ذكيا لحملة تسويق منتوجها وخدماتها: ” معَ بَاينْ .. كُلْشِي بَاينْ “، لتكون أقرب إلى نبض الناس وكيفية تفكيرهم، كيف ذلك ؟ 

لا أحد يجادل، طبعا، في أن السواد الأعظم المغاربة، مثل العديد من الشعوب والمجتمعات العربية التي تعيش الآن ابتذالا صارخا في مشهدها السياسي، وتعرف واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ضاغطا ومأزوما، يميلون بطبعهم إلى استعمالات أخرى لهاته الشعارات الإعلانية والدعائية من أجل السخرية والانتقام الرمزي من هذا الواقع وثقله وتداعياته ( وهذا حال الحاجة التنفيسية لاختراع وابتداع النكتة السياسية )، إذ يكون أسلوب الغمز واللمز والنزوع إلى فضح المستور من سلوكات وأفعال السياسيين وذوي الجاه والنفوذ، هو الوسيلة الأكثر شيوعا واستحسانا لدى عامة الشعب وطبقاته المهمشة، وما دام الهامش في المغرب هو الأكثر تضررا واتساعا واستهلاكا أيضا للخطابات السياسية الرخيصة والمبتذلة وللمنتجات الزهيدة الثمن ( المنتجات والبضائع الصينية على سبيل المثال )، فليس غريبا أن يمنح هذا الهامش نفسه لعبارة أو شعار ” كُلْشي بَاينْ ” معنى حقيقيا ووظيفة أخرى للنقد والسخرية من واقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتنفيس أزماته.

إذ من خلال لعبة التحوير الماكرة والمتعددة للمقاصد والشعارات والخطابات، يمارس الهامش المغربي لعبته أو ” رياضته المفضلة ” في قلب معاني الأشياء والسياقات والأدوار والوظائف، سواء من خلال تنقيل مدلول وعنف هذه الأسئلة نفسها من الاجتماع إلى الاقتصاد إلى المحظور أحيانا في التداول المباشر ( كالسياسة والجنس ) أو بجعل تلميحاتها النقدية والساخرة تعري بعضا من هذا المضمر والمسكوت عنه في الواقع السياسي والاجتماعي والمعيش اليومي للمجتمع، والمتلقي الذكي أو المواطن النبيه هو الذي يستطيع أن يستوعب هذه الازدواجية الماكرة في قلب دلالة الأشياء، حين يقوم بفعل التحوير ويجعل وضعه الاقتصادي والاجتماعي المزري مكانَ الغرض أو المنتوج التجاري الذي تدعو الحملات الإشهارية إليه.

إن رسائل الشعب والهامش تصل أيضا إلى من يعنيهم أو يهمهم الأمر، بنفس القوة البلاغية والدلالية التي تتوخاها المؤسسات التجارية والإشهارية ومحترفو الخطابات الماكرة والمضللة، تماما كما لو أن الأمر يتعلق بلعبة، كل طرف يحاول أن يشد الغطاء إلى جانبه لكي تبدو عيوب الآخر وحيلته أو عورته ( لا فرق ) بادية للعيان، ذلك منطق اللعب وتلك قواعده، والشاطر هو الذي يستطيع أن يسجل في مرمى وشِبَاك الآخر أكبر عدد من الأهداف، ليجعله وجها لوجه أمام سذاجته ثم موضوعا للاستقطاب والسخرية والتجريح كذلك. 

وللمنتمين إلى الهامش المغربي تاريخ أو باع طويل ( كما يقال ) مع أفعال وتقنيات وأساليب التعرية والسخرية السوداء ممن يستغلونهم تجاريا وسياسيا، ويضخمون بطونهم وأرصدتهم المالية ويلمعون العلامات التجارية لمؤسساتهم الحزبية وإيديولوجياتهم وجمعياتهم وجماعاتهم وزواياهم الدينية والسياسية كذلك، تارة باسم ” الشرعية التاريخية والنضالية “، وتارة باسم الدين والسياسة والدولة وما شابه ذلك، حينئذ يستعين البسطاء من الناس مثلي بلسانهم فقط: هذه الوسيلة البسيطة والفتاكة والمتاحة للجميع في نفس الوقت، حيث لا يكلف استعمالها أي شيء تقريبا، سوى القليل من التأمل والنباهة والانتباه إلى كيفية تركيب اللعبة وقانونها وثغراتها الكثيرة كذلك، وذلك ليجترح المرء لنفسه نكته الخاصة وسخريته السوداء من تجار السياسة والدين والمبدئ والمجتمع، مضيفا بذلك مساهمته الخاصة في هذا المتن الهائل من الأقوال والمأثورات وأشكال التعبير اللغوي الساخر والشعبي التي نجهل دائما مؤلفها الحقيقي، لكونها نصا شفاهيا جماعيا أبدعه أو ، بالأحرى، ارتجَله شعب بأكمله لحاجاته الخاصة، وأطلقه في التداول العام ليتخصب وتتقوى دلالته بالتعليقات والتعديلات والإضافات.

هكذا تعيش البلاغات الساخرة في قلب المجتمع والهامش وذاكرته الحية، ويتحول كل المغاربة بهذا المعنى إلى فكاهيين ولسانيين، ليس بمفهوم ” الألسني ” أو المتعلق بدراسة علم اللغات في منحاها التركيبي والدلالي، بل بالشكل الذي يجعلني مثلا، كواحد من هذا الهامش المغربي الشاسع، أضيف بدوري بعض الدلالات الأخرى ( غير المصرح بها وغير المتوقعة أحيانا ) لنصوص الآخرين وأقوالهم وشعاراتهم، ثم أقوم بتعديلها وتنقيحها بطريقتي الخاصة لتبدو أكثر وضوحا وملاءمة لحاجتي الخاصة في السخرية ونقد الأفعال غير البريئة في المجتمع، وتلك واحدة من إمكانات أو صيغ إبداعات الهامش المغربي.