كفى ترويجا للعنف والكراهية !

12 أغسطس 2019 - 12:48 ص

بقلم: اسماعيل الحلوتي

في إطار العمل التطوعي وعلى إثر شراكة قائمة منذ سنة 2004 بين جمعية محلية بإقليم تارودانت وأخرى بلجيكية، حلت ببلادنا في أواخر يوليوز 2019 مجموعة من الفتيات البلجيكيات المتطوعات، بغرض المشاركة في فك العزلة عن العالم القروي، من خلال تعبيد مسالك دوار “أضاو وامان”. حيث انطلقت الأشغال بهمة وحيوية في أجواء من التضامن والتساكن، إلا أنه سرعان ما طفت على السطح تدوينة تنز حقدا وكراهية، لمستشار برلماني عن حزب العدالة والتنمية “الحاكم” يدعى علي العسري، الذي استفزه منظر ارتداء المتطوعات الأجنبيات سراويل قصيرة، متهما إياهن بنشر العري والتغريب ومشككا في حسن نواياهن…

وكانت تدوينته في صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بمثابة عود كبريت أشعل نيران الغضب في الكثير من الجهات داخل الوطن وخارجه. وتأتي في مقدمة المتذمرين المنظمة البلجيكية، التي تنتمي إليها المتطوعات والتي دأبت على إقامة أنشطتها في المغرب طوال 15 سنة، دون أن يتعرض أعضاؤها يوما إلى الاشتباه بهم، حيث أنها لم تتأخر في الاستجابة لطلب مكتب الشؤون الخارجية في بلجيكا، متخذة قرارا حاسما بعدم السماح لأي مجموعة بالتوجه في الوقت الراهن إلى المغرب، وإلغاء أنشطتها التطوعية فورا مع عودة المتطوعات إلى بلدهن حفاظا على سلامتهن، لاسيما أن جريمة “شمهروش” التي ذهبت ضحيتها سائحتان اسكندنافيتان مازالت ماثلة في الأذهان، رغم صدور حكم الإعدام في حق مرتكبيها المتطرفين.

فالرجل بدا فقيرا ليس فقط إلى المعرفة بشؤون مهامه كمستشار برلماني، بل وغير ملم كذلك بمفهموم العمل التطوعي، الذي يعد تعبيرا إنسانيا نبيلا وأسلوبا ساميا في تجسيد روح التكافل والتآخي بين الشعوب، وتتجلى أبرز سماته في ما تسعى إلى تحقيقه عديد الشخصيات وجمعيات المجتمع المدني من أهداف راقية تتمحور حول تكريس قيم التضامن والتعاضد ورفع المعاناة عن الفقراء والمعوزين وفك العزلة عن المداشر والقرى النائية، دون أي خلفيات سياسية أو دينية أو إيديولوجية، وبغض النظر عن الجنسية والعرق واللون والانتماء الجغرافي…

ولأن المستشار إياه لم يستطع التخلص من قيود الرجعية والفكر الظلامي المتخلف المعشش في دماغه، رغم أن عضويته في مؤسسة دستورية، تحتم عليه الانضباط إلى القوانين والمواثيق الدولية، والحفاظ على أمن واستقرار بلاده، فإن تدوينته “البايخة” جاءت غير محسوبة العواقب، ناسيا أن خطابه “الداعشي” يشكل إساءة كبيرة للوطن ومؤسساته، ضاربا عرض الحائط بالخطوات العملاقة التي قطعتها البلاد في طريق الديمقراطية وترسيخ الحريات والانفتاح والتعايش. وأن الترويج للعنف والتطرف ورفض الآخر، يمكن أن يعرضه إلى المحاكمة بتهمة التحريض على الكراهية، خاصة بعد أن أوقفت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بمدينة القصر الكبير، معلما للاشتباه في تورطه بتهمة التحريض على الإرهاب، عبر تدوينة له في حسابه الشخصي بالفيسبوك، مشيدا فيها بالإرهاب ومحرضا على ارتكاب أفعال إجرامية خطيرة في حق السائحات الأجنبيات اللواتي تقمن بأعمال تطوعية داخل بلادنا، جريرتهن في ذلك أنهن تساهمن في التنمية المحلية بسراويل قصيرة “شورطات” استفزت مشاعره.

أبمثل هذه النماذج من المستشارين البرلمانيين والأساتذة، يمكن من جهة تطوير الحياة السياسية وتجويد العمل التشريعي واحترام القوانين والتشجيع على الاستثمار والسياحة، ومن جهة أخرى النهوض بمستوى ناشئتنا وتربيتهم على قيم السلام والتسامح ونبذ العنف وحقوق الإنسان وغيرها من مكارم الأخلاق، التي من شأنها إضفاء صورة مشرقة على بلادنا، نضاهي بها الدول المتقدمة؟ فممثل الأمة علي العسري اقترف ذنبا لا يغتفر في حق بلاده، وإلا ما كان لحزبه التبرؤ منه في بلاغ رسمي معتبرا أن كلامه يلزمه لوحده، وأن الحزب لا يؤمن عدا بما يصدر عنه من قرارات وبيانات وبلاغات رسمية، رافضا ما سماه ب”التشيار” العشوائي. مما يفرض على الجهات المسؤولة عدم الأخذ باعتذاره المرتعش والقيام بما يمليه القانون للحد من هذه الخرجات المستفزة وحتى يكون عبرة للآخرين.

هل غاب عن المستشار والمعلم وغيرهما من دعاة الغلو ونشر الأفكار الهدامة، أن المغاربة عرفوا منذ عدة عقود قيم التسامح والتعايش، دون أن تكون صدور وسيقان الأجنبيات من مختلف الجنسيات والديانات، قادرة على إثارة غرائزهم أو زعزعة عقائدهم، كما يشهد بذلك تاريخهم العريق؟ قكيف ل”العسري” أن يتغافل التلاحم والتفاهم اللذين جمعا بين المتطوعات “الكاوريات” وساكنة المنطقة التي فتحت لهن بيوتها وتقاسمت معهن طعامها بكل أريحية، عرفانا منها لهن بما ساهمن به من أدوار رائدة في التنمية المحلية، على مستوى تعبيد الطرق بأياديهن الناعمة وعدة أشغال أخرى متنوعة. فضلا عما سبق لمنظمتهن أن قامت به من جليل الأعمال، كفتح مؤسسة للتعليم الأولي وإصلاح سواقي الماء وترميم مسجد للصلاة بالدوار، دون أن يطرح العمل المشترك بين أبناء المنطقة المحافظة والمتطوعات الأجنبيات أي إحراج أو مشاكل…؟

إننا نرفض بشدة تنامي الخطاب البئيس الداعي إلى إهدار الدماء والتحريض على قطع الروؤس، فيما يتواصل التغاضي عن هذه الهجمات الرعناء المضرة بصورة المغرب. فهل بهكذا عقليات متحجرة وهشاشة فكرية، يمكن صناعة المستقبل المشرق لأبنائنا؟ أما كان حريا بالمستشار البرلماتي استغلال الفرصة في اتجاه التحفيز على العمل التطوعي، عبر إقامة حفل بسيط مع توزيع جوائز رمزية من المنتوج المحلي، احتفاء بالمتطوعات اللواتي ضحين بأوقاتهن وجئن لفك العزلة عن المناطق المهمشة، وفي ذات الوقت الترويج للسياحة الوطنية عوض الترويج للعنف والكراهية، أم أن فاقد الشيء لا يعطيه؟