الغندور: فصل المقال في ما بين ” العربنة ” و ” الفرنسة ” من الاتصال

18 أغسطس 2019 - 2:31 ص

بقلم: عبد الرحمان الغندور

تمت المصادقة على  ” قانون الإطار 51. 17 ” المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. الذي ظل في ثلاجة الحكومة منذ خريف 2016، حين أصدر المجلس الأعلى للتعليم توصياته التي لم تثر الكثير من اللغط حتى تمت ترجمتها في هذا القانون. وبدل أن  يهتم النقاش بالقانون ككل والكشف عن  توجهاته العامة وأهدافه المستترة ومرجعياته الساكنة وراء حجاب والعواقب المستقبلية المنتظرة من تنفيذه على المنظومة التعليمية وعلى الأغلبية الساحقة من المغاربة…بدل هذا،  سارع العديد من السياسيين والمثقفين إلى ركوب عملية ” إلهاء ” الناس والمساهمة في المزيد من ” تضبيعهم ” عن طريق نقاش مجاني ومتهافت، حول سطح القضية القضية التعليمية، دون النفاذ إلى عمقها وأبعادها وإشكالاتها الممتدة منذ استقلال المغرب إلى الآن. وكان هذا النقاش العقيم منحصرا حول لغة التدريس، وكأنها هي أم المشكلات والمعيقات التي تعترض إصلاح المنظومة التعليمية في بلادنا. وعمل هذا النقاش التافه، في تقسيم المغاربة إلى مناصرين ” للعربنة ” وآخرين مؤيدين ” للفرنسة ” حتى إن هذا التقسيم ألغى كل الحدود بين الثقافات والايديولوجيات، وأصبحت ” جوقة العربنة ” تشمل العلماني والاسلامي والأصولي والحداثي واليميني واليساري، كما هو نفس الامر لدى ” جوقة الفرنسة “.وتم الإعلان عن هذه الحرب اللغوية، التي ليس سوى ملهى أو مسرح يعرض ملهاة مأسوية  من طرف كل من يريد أن يلهي الناس عن جوهر القضية التعليمية بوعي أو بدون وعي. حيث يصبح  دعاة الفرنسية أو دعاة العربية عبارة عن كراكيز ترقص في مسرح لإلهاء الناس.جوهر المسألة هو أية منظومة تعليمية عمومية بكل مكوناتها نريد لمغرب اليوم والغد، مغرب النمو والتقدم والعدالة والكرامة والمساواة ؟وهذا الجوهر السرمدي الأزلي السيزيفي، هو معضلة المغرب المستقل. وما افتعال هذه اللقاءات والتحالفات بين من لا يجمعهم جامع، والخوض في هذه الحرب اللغوية، سوى جزء من مخطط التعمية  والتضبيع  وعدم المحاسبة عن إخفاقات كل الاصلاحات منذ الاستقلال الى اليوم.فقد تعاقب على وزراة التعليم في المغرب، منذ الاستقلال، حوالي 32 وزيرا، بمعدل وزير لكل 22 شهر ونصف.وتأتي أسماء الوزراء المتعاقبين على هذه المهمة كتالي: محمد الفاسي، عمر بن عبد الجليل، عبد الكريم بنجلون، رشيد ملين، يوسف بلعباس، محمد بنهيمة، عبدالهادي أبوطالب، حدو الشيكر، قاسم الزهيري، عبد اللطيف الفيلالي، احمد رضا اكديرة، محمد شفيق، مامون الطاهري، أحمد العسكي. محمد الفاسي الفهري، الداي ولد سيدي بابا، عبد اللطيف بنعبد الجليل، محمد بوعمود. عزالدين العراقي، محمد الهيلالي.الطيب الشكيلي، محمد الكبيدري. رشيد بلمختار.مولاي اسماعيل العلوي، عبدالله ساعف، حبيب مالكي، أحمد اخشيشن، لطيفة العابدة، محمد الوفا، لحسن الداودي، محمد حصاد، أمزازي.وبالمقابل بلغ عدد برامج إصلاح هذا القطاع 14 محاولة، بمعدل محاولة كل 4 سنوات، وهي كتالي: اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم 19572 اللجنة الملكية لإصلاح التعليم 1958-19593 المخطط الخماسي 1960-1964 (اللجنة المكلفة بإعداد مخطط التعليم)4 مناظرة المعمورة 19645 المخطط الثلاثي (1965-1967)6 مناظرة افران الأولى (1970) ومناظرة إيفران الثانية (1980)7 المخطط الخماسي (1985-198))8 مشروع الإصلاح 19859 الهيئة الخاصة لإصلاح التعليم10 الخطاب الملكي 6 نونبر 1995 الذي داعى إلى تشكيل لجنة خاصة للعمل بميثاق.11 الميثاق الوطني للتربية و التكوين 1999-201012 البرنامج الاستعجالي (2012-2000)13 الرؤية الاستراتيجية (2015-2030))14 قانون الإطار 17.51 . (2019)وعبر هذا التاريخ الطويل من ” الاصلاحات ” الفاشلة، لم يعرف تعليمنا، سوى الانهيارات والتراجعات دون أن تكون الجرأة لأي من الفاعلين السياسيين من أعلى الهرم إلى أسفله، على طرح السؤال لماذا ؟ بل إلى طرح السؤال الأهم وهو هل الدولة المغربية بكل مكوناتها الظاهرة والعميقة، تريد للمغاربة تعليما جيدا مجانيا قادرا على أن يكون رافعة حقيقية للتنمية.إن فشل كل الاصلاحات، لا يعني غياب الإرادة السياسية كما يروج في القاموس السياسي، بل هناك إرادة مضادة حقيقية، لا تريد لعموم أبناء المغاربة تعليما قادرا على أن يحقق لهم النقلة النوعية نحو مجتمع العدالة والكرامة والمساواة. وهذه الإرادة تعمل بكل ما لديها من إمكانيات، ليس للقضاء على التعليم العمومي، بل الابقاء عليه ضعيفا مهمشا سيئا في محتواه ومضمونه، لإعادة إنتاج مجتمع الخاضعين الراكعين ” المحكورين ” الذين لن يتجاوزا الحلم بمنصب شغل إذا توفر، والتلهي بتدبير حياة الاحتياج المتواصل والرضى بالممكن المتحقق.إن هذه الإرادة لا تتماهى فقط مع توجيهات مراكز الهيمنة الدولية، بل تفكر وتخطط لأصحابها من خلال  ” تعليم آخر ” لإعادة إنتاج نخبتها الذين سيدبرون الامبراطوريات الاقتصادية، ويحتلون مستقبلا مواقع التدبير والتسيير ويشكلون البدائل السياسية لنفس الطبقة والنخبة الحاكمة.فهناك تعليم نخبوي خاص من الحضانة إلى التعليم العالي، يتطور بدقة بالغة، لإعادة انتاج النخبة  المهيمنة الآن، في مختلف مواقع القرار الاقتصادي والسياسي. ويتوفر في البعثات الأجنبية، وفي الجامعات الخاصة المحدثة وروافدها الثانوية والابتدائية، التي تم إحداثها في السنوات الأخيرة،  ويتم استنباتها عبر ربوع الوطن، من طرف مؤسسات مالية قوية، والتي تدرس أصلا باللغات الأجنبية وعلى راسها الانجليزية وليس الفرنسية.     وهناك تعليم خاص ” شبه عمومي ” …أغلب مؤسساته  تتجه إلى منافسة  التعليم العمومي في الرداءة. في انتظار تعويضه، بعد الشروع في خوصصته، أو تفويت مؤسساته.وأخيرا هناك التعليم العمومي والمدرسة العمومية، التي تتم المصادقة على القوانين لتصفيتها على نار هادئة، وبالطمأنينة اللازمة، والتي يرى ” المتهافتون ” المناصرون لل” العربنة ” أو ” الفرنسة ” أن مشكلها الحقيقي وسبب انهيارها هو لغة التدريس. متناسين  ما جاء في القانون الإطار من القضاء التدريجي على المجانية، كما تنص المادة 42 من القانون على أن “الدولة تواصل مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلم، وتنويع مصادره، ولا سيما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصا منهم الأسر الميسورة، والجماعات الترابية، والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص”.ونصت المادة 45 من نفس القانون على أن “الدولة تعمل طبقا لمبادئ تكافؤ الفرص على إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى، وبمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء”.لكن الأفظع أمام هذا التخلي عن حق من الحقوق المقدسة، هو ” الحرب اللغوية ” التي يخوض فيها الخائضون لتلهية الناس خدمة لمشروع القضاء على كل تعليم عمومي جيد ومجاني… والأفظع من استقالة الدولة  من مبدء الخدمة العمومية، هو استقالة الفاعلين السياسيين، أحزابا و نقابات و منظمات المجتمع المدني…و كأن الحق في التعليم العمومي المجاني و الجيد الذي يلامس أغلب الشرائح المجتمعية ولا سيما المتوسطة والفقيرة والأشد فقرا، لم يعد حقا مقدسا بقوة التاريخ والدستور، بل أصبح قابلا للنقاش و المزايدة و ترويج الكلام المجاني.و ما يزيد الأمر فظاعة، هو التعامل البارد لمختلف النخب الاجتماعية والثقافية مع هذا الهجوم الممنهج على مبدء  يعتبر هو الثاني بعد مبدء  الوحدة الترابية كما تؤكد ديباجة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، تعامل بارد يكاد يكون صمتا، خاصة من طرف الأطر التي تصنف نفسها من النخب التنويرية      والحداثية و المستشرفة  لمغرب الغد.أما فظيعة الفظائع، فهي صمت المعنيين بالأمر و المستهدفين مباشرة بهذا القانون، من عموم الفئات المجتمعية، من آباء وأمهات  وأولياء المتمدرسين  والذين  سيتمدرسون مستقبلا، وجمعياتهم التي لا تخلو منها أية مدرسة عمومية في مختلف الأسلاك. و هؤلاء يشكلون أوسع الفئات الاجتماعية المتواجدة في مختلف مرافق التدبير والانتاج. إنهم يعانون الويلات من المس المستمر بقدراتهم الشرائية و المعيشية، ليضيفوا اليها فظاعة المس بمستقبل فلذات أكبادهم حين يصبح حقهم في التعليم العمومي والجيد           والمجاني حقا مستباحا من طرف أوليغرشية، لا هم لها سوى تنفيذ مخططات مراكز الهيمنة الاجنبية الداعية الى تخليص ميزانيات الدول من أي مصاريف تهم الخدمات العمومية في التعليم و الصحة         والسكن اللائق.إن هذا الصمت الفظيع يعبر بجلاء عن استقالة المجتمع أيضا عن وظائفه المقدسة ، و هي الدفاع المستميث عن المكاسب، و النضال من أجل توسيع دائرة الحقوق.أما بصدد هذا القانون الإطار، سيعرف هو بدوره تعثرات في إنجاز مضامينه مرتبطة بطبيعة الادارة المغربية نفسها ذات الطابع ” السلحفاتي ” في تنزيل القوانين. فهو يتطلب لإنجازه، كما هو منصوص عليه في بنود القانون، إصدار مرسوم  و17 نصا تنظيميا، ناهيك عن النصوص التشريعية  والتنظيمية التي  ستنسخ أو تعوض أو تعدل النصوص الجاري بها العمل. كما يتطلب تنزيله، إحداث 9 بنيات جديدة ما بين مجلس وطني، ومرصد، وشبكات، ولجان، ومجموعات عمل،  مما يحكم مسبقا على أن إنجازه على علاته في كف ملك العفاريت.وكما فشلت كل الاصلاحات السابقة، دون تقييم أو محاسبة، ابتكر القانون الجديد أسلوبا جديدا للتهرب من مسؤولية فشله، من خلال  تعدد المصطلحات والمفاهيم، خصوصا عندما نتحدث عن مسؤولية الدولة، فمرة يتحدث المشروع عن الدولة، ومرة على الحكومة في خلط واضح بينهما. ويتحدث مرة أخرى عن السلطات الحكومية، وتارة عن السلطات العمومية وأخرى عن السلطات بدون تحديد، وهذا ما يضفي ضبابية وغموضا على مسؤولية الحكومة والدولة، لنسمع غدا مسؤولا حكوميا يمسح الفشل في الدولة أو السلطات العمومية، أو سلطات حكومية غير سلطته.وأخيرا علينا أن نتذكر… أن أحداث 23 مارس 1965 التي نؤرخ بها لمغرب ما بعد الاستقلال، و خلفت آلاف الضحايا و الشهداء، هذه الأحداث، انفجرت بسبب قرارات وزير التعليم آنذاك، يوسف بلعباس، عبر المذكرة الوزارية ليوم 19 فبراير 1965 والتي بموجبها يمنع كل الشباب في سنّ 17 سنة من الالتحاق بالسلك الثاني من التعليم الثانوي، وبالتالي حرمانهم من اجتياز امتحان شهادة الباكلوريا….كانت هذه القرارات وحدها، وهي لا تمس بالحق المقدس في التعليم، كافية لتكون مصدر انتفاضة شعبية لا زالت موشومة على جبين التاريخ الوطني.