المادة التاسعة من مشروع قانون المالية آفة تشريعية

18 نوفمبر 2019 - 11:15 م

بقلم أيوب بوبكري

في سياق النقاش الدائر بين مختلف الفعاليات الحقوقية والسياسية حول المادة التاسعة من مشروع قانون المالية رقم 70.19 للسنة المالية 2020 او بالأحرى الآفة التشريعية ،لايسعنا إلا المشاركة في هذا النقاش البناء ليس من باب تضخيم الموضوع او إعطائه أكثر من حجمه ،  ولكن من باب ان للموضوع اهمية قصوى  لإرتباطه الوثيق في جوهره بالحقوق والحريات، ومبدأ سيادة القضاء ومصداقية الإدارة وهبة الدولة ،وكذا بالأمن القانون والأمن القضائي.

مع الإشارة في البداية إلى أن هذا النقاش هو نقاش جديد قديم ، جديد من حيث الشكل وقديم من حيث الجوهر  ، على إعتبار ان نفس النقاش تمت إثارته بمناسبة المادة الثامنة من قانون المالية رقم 73.16 للسنة المالية 2017 ،والذي بدورها تضمنت بندا يقضي بمنع الحجز على اموال وممتلكات الدولة ، غير انه نتيجة للضغظ الذي مارسته مختلف الفاعليات الحقوقية و بعد مخاض طويل وأخد وعطاء تم إلغاء هذه المادة  وإعتبارها مادة مخالفة لروح الدستور ومقتضياته .

غير اننا اليوم نتفاجئ من جديد بإعادة النقاش للواجهة حول نفس الموضوع مع تغيير طفيف على مستوى الشكل ، وذلك من خلال المادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020 ،هذه المادة آثارت جدلا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والسياسية حيث إعتبارها العديد من الاطر القانونية والقضايية  بكونها مادة مخالفة لروح الدستور، يحيث تشكل إضعاف للمؤسسة القضائية ومس بهبة الدولة وإخلال بمبدأ الأمن القانوني والقضائي ، والذي تضمنت بندا يقضي بمنع الحجز على اموال وممتلكات الدولة ومما جاء في  هذه المادة  ”  يتعين على الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة ألا يطالبوا بالأداء، إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية، وأنه في حالة صدور قرار قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل 60 يوما ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية .
و يتعين على الآمرين بالصرف إدراج الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الأحكام القضائية في حدود الإمكانيات المتاحة بميزانيتهم، وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضرورية لتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي، في ميزانية السنوات اللاحقة، غير أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية”

فالملاحظ من خلال هذه المادة انها تثير نوع من الإستغراب سواء من حيث الشكل او من حيث المضمون :
فمن حيث الشكل نرى ان المجال الانسب للحديث عن تنفيذ الاحكام القضائية هو المجال الإجرائي وبالضبظ قانون المسطرة المدنية ، وليس قانون المالية فقانون المالية يحدد التوجهات العامة لمالية السنة من موارد ونفقات ,وبالتالي  فالمكان الانسب لتنظيم تنفيذ الاحكام القضائية  هو قانون المسطرة المدنية وليس قانون المالية ، وتنظيم تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة ضد الدولة في قانون المالية نابع من غياب تنظيم ومسطرة خاصة بتنفيذ الاحكام الإدارية .

اما من حيث المضمون فالملاحظ ان هذه المادة تحمل بين طياتها من الشح والبخل الفكري الذي قل نظيره فالتنصيص على منع الحجز على ممتلكات الدولة دليل على وجود بعض العقليات الذي تعيش خارج السياق الدستوري للدولة وتتعامل بمنطق الغاب القوي يأكل الضعيف .
 ذلك ان التنصيص على  منع الحجز على اموال وممتلكات الدولة من خلال المادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020 يشكل تعارض واضح مع الفصل 126 من دستور 2011 الذي ينص ” الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع ، يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللأزمة أثناء المحاكمة إذا صدر الأمر إليها ….” هذا من جهة ومس بإستقلال السلطة القضائية وإقبار لهذه المؤسسة  من جهة اخرى .

كما يشكل  منع الحجز على اموال وممتلكات الدولة إخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه في الفصل السادس من دستور 2011 الذي ينص على ان “القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة .والجميع ،اشخاصا ذاتين أو إعتباريين ،بما فيهم السلطات العمومية متساوون امامه ،وملزمون بالإمتثال له ..” ، فالدولة عندما يتعلق الامر بحقوقها وديونها تلجأ إلى إستعمال كافة الوسائل الجبرية لضمان تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة لقائدتها  ،بل الاكثر من ذلك فإن ديون الدولة تعتبر من الديون الممتازة الذي تؤدى بالاولوية ، لكن عندما يتعلق الامر بالمواطنين يتم ممارسة كل اشكال اللأمساواة ضدهم ومنعهم من إقتضاء حقوقهم تجاه الدولة .

ضف على ذلك فإن هذه الآفة التشريعية تشكل إهانة للخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك بمناسبة إفتتاح الدورة الاولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة (14أكتوبر 2016) حيث جاء فيه “كما ان المواطن يشتكي بكثرة ،من طول وتعقييد المساطر القضائية ومن عدم تنفيذ الأحكام ، وخاصة في مواجهة الإدارة، فمن غير المفهون ان تسلب الإدارة من المواطن حقوقه ،وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها ،وكيف لمسؤول ان يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي ….”

أذن فالملاحظ ان الجل متفق على ان احكام هذه المادة تتعارض مع التوجهات الدستورية للدولة وتشكل إخلال بمبدأ المشروعية ،لكن السؤال الذي يتبادر للدهن  من يقف وراء هذه الأفة التشريعية ؟؟ كيف أن الجل متفق على عدم دستورية هذه المادة ومع ذلك تم التصويت عليها ؟ أليس من صوتوا على هذه المادة هم اشخاص تم إنتخابهم من هؤولاء المواطينين المتضررون  اليوم من هذه الافة التشريعية؟

من جهة أخرى فإن المؤيدون لهذه المادة هم فئة قليلة يؤسسون موقفهم على اساس أن السماح بالحجز على اموال وممتلكات الدولة يشكل عرقلة وإرتباك في سير مرافق الدولة ، ولنا ان نتسائل الا يشكل عدم تنفيذ الاحكام القضايية الصادرة ضد الدولة  عرقلة لحقوق المواطن ؟ ألا يشكل ذلك ضرب في حقوق الافراد ؟ كيف يعقل ان ننزع ملكية شخص جبرا  وان يصدر حكم لفائدته يقضي بتعويضه ولا يتم تنفيذ الحكم ؟
 مع العلم ان السماح بالحجز على ممتلكات واموال الدولة ليس حل لإشكالية تنفيذ الاحكام القضايية الصادرة ضد الدولة،  بل هو احد الحلول البسيطة لضمان على الاقل  تنفيذ بعض الاحكام القضائية، فالمواطن عندما يلجأ للحجز على اموال و ممتلكات الدولة يواجه بتزاحم الدائنين اصحاب السندات التنفيذية ويواجه بعدم كفاية الموارد المالية لتنفيذ الاحكام القضائية، وإن كان الاصل في الدولة ملاءة الذمة ، كما يواجه بعدم الحجز على الأشياء الضرورية لسير المرافق .

ويالتالي فتمرير هذه المادة يزيد من تعقيد الإشكال وينذر بمستقبل مجهول لدولة الحق والقانون ، فهذه المادة تعد كارثة تشريعية ستبقى وصمة عار على جبين كل من ساهم في هذه الأفة التشريعية ، يبقى الامل معقود على المحكمة الدستورية لتقول كلمتها في حالة تمرير هذه المادة المخالفة للتوجهات الدستورية ، وإلا اصبح مبدأ المشروعية وسيادة القانون الذي تتشبع به الدولة الديمقراطية المعاصرة  لاقيمة له .ومثارا إستخفاف وإستهتار من جانب المواطنين الصادرة تلك الأحكام لفائدتهم .