ماكري…يكتب عن الذكرى 29 لوفاة المعلم و القائد عبد الرحيم بوعبيد .

10 يناير 2020 - 12:11 م

بقلم: محمد ماكري*
تحل يوم 8 يناير الذكرى 29 لوفاة مؤسس وقائد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، هذا الحزب الذي هو استمرار لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وامتداد لحركة التحرير الشعبية .
لقد مشيت سنة 1992 وراء جنازته المليونية بمدينة الرباط في اتجاه مقبرة الشهداء كباقي الأوفياء من الاتحاديين والاتحاديات وغيرهم من المواطنين الذي عرفوا قيمة الرجل واستشعروا هول الخسارة التي مني بها ليس الاتحاد كحزب وإنما لوطن بكامله عزاءهم في ذلك ما تركه من إرث فكري وممارسة سياسية نموذجية بروح وطنية خالصة وتفان كبير في الدفاع عن المصالح العليا للوطن والمواطنين ، ممارسة سياسية تتقن التكتيك وفق إستراتيجية مبدئية .ممارسة سياسية تغلب المصلحة العامة عن المصالح الضيقة حزبية كانت أم ذاتية .مشيت في الجنازة والى جانبي العديدين من مَن نراهم اليوم وقد غيروا جلدهم لمرات عديدة بكوا بدموع التماسيح واحتلوا مواقع باسم الانتماء لمدرسة عبدالرحيم بوعبيد، وهي منهم براء بل حتى الاتحاد انقرض منه الاتحاديون وصاروا شتاتا في وطن لم يعد يستوعب مواطنين شرفاء، فبالأحرى سياسيين من طينة عبدالرحيم .

قد يقول قائل إننا نبكي على الأطلال نتيجة الخيبة التي أصابت السياسة اليوم، وقد يقول هذا القائل إننا كيسار في الحاجة إلى زعيم يجمع شتاتنا لأننا لم نتعود على النضال دون شخص يقودنا.

وأجيب لأقول إن عبدالرحيم ليس زعيما فحسب، فهو مدرسة تخرجت منها أطر حزبية عديدة، منهم من بقي وفيا للعهد، ومنهم من انحرف وباع نفسه بثمن بخس، ومنهم من التحق دون إعداد يذكر وتبين أنه من المتربصين لقضاء مصالحه الشخصية أو من العملاء المخزنيين الهادفين إلى تشويه صورة الاتحاد.

وهذه ظواهر إنسانية جرت وتجري بكل المجتمعات، ولكن عبدالرحيم لم يكن لوحده من شيد هذه الحركة المسماة اتحادية. فلقد كان عمربن جلون وقبله المهدي بنبركة والفقيه البصري وعبدالله ابراهيم وبعده محمد عابد الجابري ومحمد كسوس وغيرهم من الرواد الأوائل، بمعنى أن العمل في مدرسة بوعبيد كان جماعيا ومؤسساتيا فالكل يشتغل وفق أجندة مضبوطة تنطلق من التقرير الأيديولوجي للحزب لسنة 1975، وفي انسجام تام مع إستراتيجية النضال الديمقراطي…

ففي الواجهة الحقوقية تم تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979، وفي الواجهة الطلابية إعادة الاشتغال داخل منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من خلال المؤتمر 16، ونقابيا خُلق بديل نقابي الكدش سنة 1978 بعد استحالة الاستمرار في النضال من داخل ا.م.ش مع رفاق الأمس وعلى رأسهم المحجوب بن الصديق الذي اختزل العمل النقابي في المطلب الخبزي لغاية في نفسه، دون الحديث عن الإعلام الحزبي :المحرر وبعده الاتحاد..

ومن خلال إستراتيجية النضال الديمقراطي تمكن العديد من المنتسبين للاتحاد من عدم ترك الكرسي الفارغ داخل المؤسسات المنتخبة في حدود المجالس الجماعية والبرلمان، دون الوصول إلى الجهاز التنفيذي أي الحكومة. لكن عبدالرحمان اليوسفي اجتهد في تأويل هذه الإستراتجية ودفع بالاتحاد إلى تناوب سمي بالتوافقي خلافا للتناوب الأول بقيادة عبدالله ابراهيم الذي لعب فيها عبد الرحيم باعتباره وزيرا للاقتصاد والمالية دورا هاما في تنظيم الشأن الاقتصادي ببلادنا وذلك بسن السياسة التحررية الاقتصادية، حيث شيد هياكل الاقتصاد المغربي كاقتصاد وطني تحكمه إستراتيجية التحرر من التبعية وأطلق أول خطة خماسية للتنمية (1960-1964). لكن سماسرة الاستعمار أو من يسميهم عابد الجابري القوة الثالثة حالت دون استمرار هذا النهج التحرري، فتعاقبت حكومات مند ستينات القرن الماضي دون رؤيا أو برنامج، حكومات أعضاؤها مجرد موظفين لدى دولة المخزن ينفذون بالحرف كل قرارات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

لكن كانت منذ ستينات القرن الماضي مجابهة قوية منظمة للشارع المغربي خلفت ضحايا في الأرزاق والأرواح وها نحن اليوم بعد حراك قوي للشارع المغربي بقيادة حركة 20 فبراير، نعيش وعشنا مع حكومة من “الشعب” لكنها جاءت لسحق هذا الشعب، تعتبر نفسها منبثقة من “صناديق الاقتراع” لانها حصلت على مليون و600 ألف صوت فقط لا غير من أصل أزيد من 24 مليون لهم الحق في التصويت، وتقوم بتنفيذ أجندات مملاة بعيدة عن برنامجها الانتخابي أو حتى الحكومي دون حسيب ولا رقيب… لكن كل ذلك لم يعد مجديا أمام الحركات الاحتجاجية للمواطنين بمطالب اجتماعية مشروعة، اليوم بجرادة والبارحة بكل من الحسيمة وزاكورة والصويرة وبالأمس بسيدي افني. والسبب في كل ذلك اقتصاد الريع والنموذج التنموي الذي لا تستفيد منه إلا القلة القلية من الأشخاص ولا يصل إلى مناطق كثيرة ظلت مهمشة من المغرب غير النافع. وهذا ما اعترف به رئيس الدولة ملك البلاد نفسه في خطاب العرش لسنة 1914 وفي افتتاح البرلمان لنفس السنة.
لذلك فإرث عبد الرحيم بوعبيد الفكري والعملي لازلنا في الحاجة إليه وبالخصوص الأجيال الصاعدة التي ترسخت في ذهنية غالبيتها على أن السياسة هي مجرد “تنوعير”، وانالسياسيين كلهم انتهازيون يبحثون فقط عن مصالحهم الخاصة.
لذلك فنموذج عبدالرحيم، قد يساعد في تسييس شبابنا باعتباره اصغر الموقعين (22سنة)على عريضة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وقد ترك وصية لشبيبة الحزب قبل وفاته بشهر بالضبط اي في 8دجنبر 1991 قائلا “لقد قدت سفينة الاتحاد وما قمت به صدر من القلب والفؤاد اليوم أوصيكم بحزبكم الذي هو أمانة في عنقكم ” .نكرر بعد الترحم على فقيدنا الكبير عبد الرحيم بوعبيد أن عهد الزعامات قد ولى وأن العمل في السياسة وغيرها لن يفلح إلا بتدبير جماعي وبشكل مؤسساتي يضمن للجميع المساهمة في انجاز و إنجاح المشاريع الكفيلة بتحديث المجتمع والدولة .

*عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي